الذكرى العشرون لرحيل الشيخ احمد الوائلي

سماحة الشيخ عماد الكاظمي

استذكار المناسبات بالشخصيات تساهم في احياء ذكر اولئك العظماء. احيا الشيخ احمد الوائلي ذكر اهل البيت عليهم السلام في العراق وفي بلدان اخرى. كان الرجل ذا مواهب متعددة ومن الضروري تسليط الاضواء عليها.

دخل مدارس منتدى النشر في العام 1962 وحصل منها بكالوريوس على البكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية ثم حصل على شهادة الماجستير في العلوم الإسلامية من معهد الدراسات الإسلامية التابع لجامعة بغداد عن رسالته (أحكام السجون بين الشريعة والقانون) سنة 1969 م ثم حصل على شهادة الدكتوراه من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة عن اطروحته (استغلال الأجير وموقف الإسلام منه) سنة 1972 م. واكمل ابحاث ما بعد الدكتوراه ليحصل على درجة الاستاذية ليدرس الاقتصاد حاصلا على الدبلوم العالي من معهد الدراسات والبحوث العربية التابع لجامعة الدول العربية عام 1975 م .

اراد ان يتحدث عن مواضيع مهمة تربط الماضي بالحاضر ويعالج مشكلة الالحاد. في الدراسات الجامعية هناك محاولة لعلاج المشاكل. من خلال ذلك تتضح معالم تلك الشخصية. اراد ان يلج العلم من باب واسع في الجانبين النظري والتطبيقي وبيان ان الحل الامثل يكمن في النظرية الاسلامية.

الشخصية العلمية للشيخ من خلال اطلاعي على اطروحته حول الاجير في الاسلام. رأيته متاثرا بافكار الشهيد محمد باقر الصدر الذي لا تزال مؤلفاته بحاجة للاهتمام.

من الموضوعات المهمة انه استفاد من الدراستين الحوزوية والجامعية الاكاديمية حيث صقل موهبته العلمية ومنهج البحث العلمي. وللمنهج العلمي اثر على شخصية الباحث. يجب ان نكتب على اساس منهج علمي واضح. كان الشيخ ملتزما بالمنهج، فهو قائم على تقسيم البحث على مقدمة وشرح ومصادر. الشيخ الوائلي كام ملتزما بذلك، فهو شخصية علمية كبيرة حتى من اللجنة العلمية التي ناقشت اطروحته للدكتواره كانت معجبة بها. مطلوب ان ينقل ذلك للناس، وكيف ان الخطيب الحسيني يستطيع ان يثبت وجوده حتى على المخالفين.

هناك كلمات تؤكد على هذه الشخصية، مما ورد قولهم: تناول الباحث كل ذلك في ايجاز وباسلوب مركز. لجنة علمية رصينة بجامعة علمية تقول بذلك وتقره. بمنطقه استهوى الاساتذة، فذلك دافع لنا للاطلاع على تلك المدرسة. اما من ناحية الموضوع، قالوا انه لم يترك صغيرة او كبيرة الا وكانت موضع نقاش، وكان الباحث ملما بموضوعه.

اقول لاخوتي الكرام طلبة الدراسات العليا والجامعات ان عليه ان يفكروا في العلم وليس الشهادة. كان الباحث يجيب على ما يوجه اليه من اسئلة واستفسارات. كان جمهور الحاضرين يتابع النقاش بشوق. مميزات الشيخ الوائلي العلمية سواء في المنبر الحسيني او كتاباته فهي مميزات ذاتية.

من مؤلفاته: هوية التشيع، احكام السجون بين الشريعة والقانون وكذلك تجاربه مع المنبر. حين نقرأ الشيخ الوائلي في سطور تلك المؤلفات وخلال المنبر الحسيني ونحلل شخصيته نرى مميزات خاصة به. هذه المميزات كان لها اثر في الوجود المعنوي في قلوب الملايين ممن تأثروا به. العمق العلمي والتحليل الموضوعي كانت سمة مميزة له. العمق العلمي متوفر وكذلك التحليل الموضوعي. الاساتذة الذين قرأوا مؤلفاته يؤكدون ذلك، ومن يستمع لمحاضراته يرى التحليل الموضوعي، فلا يستمع اليه احد الا ويزداد علما. هذا العمل العلمي كان موجودا في شخصيته واسلوبه. لم يكن ناقلا للتحيل او آراء العلماء بل يحلل ويناقش .

الموضوع الثاني من شخصيته: سلامة لسانه من اللحن وسلام منهجيته من اللحن، حين تستمع اليه ترى اللغة العربية السليمة من ناحية البلاغة والنحو. لا توجد الفاظ او جمل ركيكة مع ان استعمال ذلك المنبر امر صعب.

المميز الثالث: الجانب العصري في تناول الموضوعات.

احكام السجون مشكلة عالمية. فالسجون فيها بشر، كيف نتعامل معه؟ ولقد كرمنا بني آدم. استطاع الشيخ الوائلي ان يناقش الموضوع على ضوء الشريعة والقانون، وفي ذلك عمق كبير، فهو دراسة عصرية وعميقة تفيد الآن والمستقبل.

المميز الرابع: الجانب الفني في الاختيار.

يختار الموضوع وفق خطة رصينة سواء في كتاباته او محاضراته.

وقد رأيت ذلك في كتاب “هوية التشيع” وهي مبادرتي الاولى للتعامل مع هذه الشخصية، منهجه العلمي الذي تناوله في موضوع الدكتوراه حول الاجير وموقف الاسلام. العنوان وحده يدعو للتفكر والتأمل. كيف يستغل الاجير في الانظمة الاقتصادية المتعددة وما هي نظرة الاسلام لذلك؟

قال تعالى: ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم.

الطريقة الاقوم موجودة في التشريع الاسلامي ويجب ان تتعرف البشرية عليه. الخالق هو الغني الحميد ونحن المحتاجون اليه. كان من بيئة محترمة في النجف الاشراف، وولج الى موضوع عالمي. حين نقرأها باجمال نرى انه يحدد المشكلة كما يراها، ثم يشخص اسبابها ومقدماتها وما يتعلق بها، ثم يناقش تلك الاسباب وفق الانظمة العالمية، وفي المرحلة الرابعة يبين موقف الاسلام من ذلك، اي يطرح الحل الامثل من خلال الاسلام، فهو يتحدث عن استغلال الاجير وهو امر يتعلق بالانسان، فكل انسان له وجود ولا يجوز استغلاله. يقول ان التعدي على حقوق الآخرين يقوم على امرين: اما الوراثة او المحيط والبيئة. قد يكون الانسان بشخصيته هو المسؤول وعلينا تهذيب هذه الشخصية او البيئة هي التي فرضت ذلك. قد تكون البيئة هي التي تفرض التعامل بالربا مثلا. الشيخ الوائلي يحد المشكلة، فالمشكلة هي المشكلة، مرتبطة بالمجتمع ومستمرة. يذكر الشيخ حب الانسان لذاته وكذلك حول البيئة والمحيط.

نؤكد ان الموضوع عالمي وان الاخوة البشرية موجوده ويجب ان لا نتجاوزها. في المرحلة الثانية يشخص لنا الاسباب ومقدماتها وظروف استغلال الاجير. تحدث الشيخ الوائلي حول جزء من التفصيل في بحث الدكتوراه.

كيف يتعامل مع المال في الانظمة المالية الدولية: هذه الشخصية الحوزوية المتفتحة كيف استطاعت ان تلج هذا الباب بهذا الشكل. اراد ان يوصل افكار الشهيد الصدر الى عمق هذه الدراسات. تحدث عن توزيع المال وموقف النظام الراسمالي. تحدث عن التوزيع في ظل النظامين الشيوعي والاشتراكي، ثم تحدث عن الطرح الاسلامي. اراد ان يبين للانسان ان عليه ان يتعامل هذه الانظمة. القرآن الكريم مليء بالآيات حول ذلك، ثم ناقش الشيخ الاسباب التي ذكرت، والاتجاهات الفكرية التي تتعاطى مع هذا النظام المالي.

حين يتحدث الوائلي عن توزيع الدخل بالتساوي مع ابناء المجتمع، ونظرية التوزيع حسب حاجة الانسان، ونظرية التوزيع حسب الرتب والمواقع الاجتماعية، والنظرية الرابعة التي تتحدث ان التوزيع يجب ان يكون على مستوى الدخل .

سماحة السيد مضر الحلو

المنهج الوحدوي للشيخ احمد الوائلي رحمه الله

الحديث متشعب بحجم الوائلي. كل بعد من ابعاده استثنائي، فشخص يبرز في وظيفته وتخصصه لمدة تنيف على نصف قرن بلا منافس. حين يريد ان يبحث عن رواية، كم سيبذل من الجهد ليصل اليها؟  بينما الآن بالضغط على الزر تحصل على ذلك. لم ينافس الشيخ الوائلي احد حتى بعد ظهور هذه التقنيات.

سأسلط الضوء على بعد من ابعاد مسيرته وهو اهتمام الشيخ بقضية وحدة الامة.

قدرنا كمسلين ان نعيش في اوطان ومدن واحدة قدرنا الوحدة والتفاهم والانسجام والتعايش، فهي ليست قضية عقائيدية او مجاملات. نحن ملزمون بالتفاهم والتعايش والقبول المتبادل، فاي خطاب نحو اثارة الاحقاد بعيد عن مصلحة الانسان فضلا عن لغة القرآن واهل البيت، فهو بعيد عن فطرة  المجتمع البشري الذي يرغب ان يعيش مزدهرا. الشيخ الوائلي كان ملتفتا لذلك.

تبنى خطاب الوحدة بشكل كامل كما هو منهج الحوزات العلمية الشيعية، ولعل ما صدر عن المرجعية العليا في النجف وعلى رأسها سماحة السيد السيستاني يسلط الضوء على توجه الحوزات لذلك.

منهج الشيخ الوائلي في تبنيه خطاب الوحدة باعتبار ان المسلمين يواجهون تحدثات كبيرة. وما لم يتوحدوا فسيواجهون تحديات كبرى. كان اكبر تحد آنذاك الالحاد، وامام ذلك ليس امامك الا توحيد الجهود والا اصبحنا لقمة سائغة لغيرنا. تبنى الشيخ الوائلي ذلك عن قناعة تامة بذلك.

ابرز ملامح منهج الشيخ الوائلي اوجزها بست نقاط:

الاولى: ان الوائلي اعتمد في خطابه للوحدة الاسلامية على المنهج العلمي وليس لغة السباب والشتائم ولم يستخدم ذلك، بل بقي محافظا وامينا على المنهج العلمي الذي يتبع الدليل فحسب. هذا المنهج ترك اثرا على المؤالف والمخالف، لذلك شيوع هذه الثقافة في اوساط اتباع اهل البيت يؤكد ذلك وقد شاعت لديهم لغة الدليل.

في فترة الستينات حتى التسعينات كانت لغة الدليل هي التي يتحدث بها مع الآخر فضلا عن تاثير خطابه نتيجة التزامه بهذا المنهج العلمي حتىمع المخالف له في الرأي والعقيدة. شاهدنا كثيرا من تاثر بخطاب الوائلي وهو من مدرسة اخرى. الكثير من علماء السلفية نقل اعجابه بخطاب الشيخ الوائلي ومواظبته على محاضراته.

النظام البائد في العراق كلف لجنة من ثمانية اشخاص من ادباء واكاديميين وعلى راسها الدكتور محسن عبد الحميد، وظيفتهم مواجهة خطاب الشيخ الوائلي. هذا يؤكد اثر خطاب الشيخ الوائلي على المجتمع الآخر من غير الشيعة وهذا يكشف الاثر الذي تركه الشيخ الوائلي في هذا المجتمع.

البعد الثاني: احترامه خصمه، فلم يسب من اختلف معه او نال من رموزه. تكلم مع من يختلف معه بلغة محترمة ومحتشمة مما ترك اثرا كبيرا على الآخر، لم يعرض باحد ولم يحرض على احد ولم يشتم احدا.

الثالث: الاعتدال في طرح الشيخ الوائلي. لم يكن متطرفا او متشددا حتى في المسائل التي يعتقدها. كان يطرح رايه بصيغة خفيفة: اظن هكذا، ربما يكون الحق هكذا، باتزان واعتدال وتواضع مع الطراف الآخر. مصداق ذلك انه لم يكفر يوما مسلما آخر لمجرد الاختلاف معه، لم يخرجه من دائرة الاسلام، لم يكن في طرحه تطرف او تشدد، بل ربما ذهب ابعد من ذلك، واكد ان الاختلاف بين المسلمين علامة ايجابية وانه يقوي الطرح وتدل على حيوية  المسلمين والاسلام، فما دام الاختلاف في هذه الدائرة اي دائرة الدليل والبرهان والدائرة المعرفية، المشكلة حين ينطق الاختلاف من عاطفة بعيدة عن العقل والمعرفة، هذا هو المخيف حيث يتحول الى نزاع وفتن.

الرابع: الدعوة التي كان يرددها دائما بانه يجب على المسلمين ان يدرس بعضهم بعضا ويفهم بعضهم بعضا ويتعرف بعضهم على بعض، فذلك يوفر الشيء الكثير ويختصر الطريق على المسلمين فيصل بعضهم للبعض الآخر ومحذرا كذلك من كل دعوة مشبوهة، فالانسان اذا تعرف على الآخر يتلاشى الشك واية محاولة خبيثة تسعى لبث الفرقة. المسلمون اذا تعرف احدهم على الآخر، فلا طريق لكي يلج المختلفون منه لصنع الفرقة والفتن والحروب خصوصا اذا علموا ان منبعهم واحد وهو القرآن وسنة النبي واهل بيته.

الخامس: استطاع الشيخ الوائلي ان يوظف الحدث التاريخي الذي وظفه غيره لاثارة الفتن والنزاعات لأمر ايجابي آخر، لتكريس فكرة ايجابية او مفهوم يمكن ان يضيء حياة الناس، او للعبرة. لم يوظف حدثا في تاريخ المسلمين توظيفا سلبيا لاحقاد وفتن.

السادس: لم يقتصر الوائلي في اهتمامه بالوحدة الاسلامية في الخطابة فحسب، بل كرس شعره لذلك. شعره فيه مساحة واسعة يتضمنها هذا الهم الذي يحمله الوائلي. مثلا في قصيدته الشهيرة، وهي رسالة الشعر في مهرجان الشعر العربي في بغداد في 1966

فتبيني هذي المهازل واحذري        من مثلها فوراء ذلك اصبع
وإذا لمحت على طريقك عتمة        وستلمحين لأن دربك أسفع
شدّي وهزّي الليل في جبروته        وبعهدتي ان الكواكب تطلع
لا تشتمن الخطب او تبكي له        فالخطب ليس بمثل ذلك يدفع
فالمجد يحتقر الجبان لأنه        شرب الصدا وعلى يديه المنبع
وتوق ارقمها فلست بواجد        صلا على طول المدى لا يلسع

الشيخ الوائلي لم يسلم من الالسن التي نالت منه وشتمته ونكلت به وهي من الشيعة في قنوات تطل بين الحين والآخر  ولكن الشمس لا يمكن تغطيتها بغربال. يبقى الشيخ الوائلي كوكبا في سماء الاسلام واهل البيت عليهم السلام.

التسجيل الكامل للبرنامج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى