
قراءة في معركة أحد
المتحدث لا يمثل رأي المؤسسة بل يمثل رأيه
قراءة في معركة أحد
التاريخ: 26 مارس 2026
الضيف: سماحة الشيخ حسين شحادة
تقديم: سماحة الشيخ حسن التريكي
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾
خلال الشهر الكريم مرّت مناسبات عديدة احيينا بعضها.
أحداث التاريخ جرت في وقتها ولكن فيها دروسا وعبرا لمن يريد ان يستفيد. فيها سنن تاريخية وإلهية ودراستها تجنّب الإنسان الأخطاء والنتائج السلبية.
في مسيرة نبي الاسلام الاكرم (ص) حوادث كثيرة، معارك للدفاع عن دين الله، وقدم تضحيات من خيرة اصحابه ﴿فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر﴾.
تحدثنا في 17 رمضان عن معركة بدر الكبرى وهي كبرى المعارك وأهمها، فقد كان النبي (ص) مع قلة العدة والعدد جاءه المدد الالهي ليصنع النصر ويقلب الموازين، فكانت فاتحة الاسلام.
وبعد عام عادت قريش لتنتقم، فكانت معركة أحد وهي معركة كبيرة ومهمة، حدثت فيها حوادث كثيرة وانقلبت فيها الموازين بين النصر والهزيمة. نحتاج إعادة قراءتها لنستفيد من دروسها. حدثت المعركة في 7 أو 11 شوال بعد عام من معركة بدر.
سماحة الشيخ حسين شحادة
قال الامام علي زين العابدين عليه السلام: لو لم يبق من دنياي هذه إلا القرآن لما استوحشت.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ﴾.
نزلت الآيتان بعد معركة أحد لتلقن المسلمين درسا عظيما في اقتحام العقبات وتحويل الأزمات الى فرص للنجاح.
الآيتان تشيران إلى قضية كبرى التفت لها فقهاء مقاصد الشريعة عند تأصيلهم لفقه القوة وفقه الضعف. فقه القوة يستدعي الاعداد والتعبية والتربية على استخدام القوة. وفقه الضعف يستدعي الثبات والصبر والاعتصام بحبل الله وعروته الوثقى.
التوظيف السياسي للقرآن دفع وعاظ السلاطين لاستغلال فقه القوة وتحريكه عن مقاصده بالتلاعب على فقه الأولويات، كما أن وعاظ السلاطين استغلوا فقه الضعف وتحريفه عن مقاصده للتلاعب بفقه الضرورات.
من الأسف ان محنة التفسير ملتبسة بنزعات ثلاث:
الاولى: المذهبية الطائفية.
الثانية: نزعة الاستفراق والاختلاف حول اسباب النزول.
ما بين هاتين النزعتين تظهر لنا حالة الوعي التطبيقي للقرآن.
كثيرة هي الاحداث التاريخية التي يرتبط ماضيها بحاضرنا، غير أن المشكلة لا تزال قائمة حول قراءة الحدث التاريخي، وما زلنا بين نهجين في قراءة الحدث التاريخي. نهج يدول حول التاريخ ويدور في فلكه كطواحين الهواء، ومنهج يسعى لاستخلاص الدروس والعبر لكي لا يكرر الخطر والخطايا التي نتوارثها جيلا عن جيل.
انتصر المسلمون ببدر وكانوا قلّة، وخسروا المعركة في أحد وكانوا أشد بأسا وقوة. في بدر بطولات وتضحيات وشهداء كبير. في أحد بطولات وتضحيات وشهداء من الصحابة بلغ عددهم 70 صحابيا. في أحد تخلخلت البنية العسكرية للمسلمين فمنيت بأخطر ما تمنى به الجيوش منها: مخالفة الرماة لاوامر النبي (ص)، وأخطر من ذلك، استحواذ النفاق بالشائعات والأكاذيب. واخطر من ذلك الفرار، حيث فر الكثيرون تحت وطأة الترويع.
كيف نقارب الأبعاد والدلالات لهذا الحدث المفصلي في تاريخ المسلمين؟
انقسم المستشرقون في تقيمي أحد بين نظريتين:
نظرية ترى في أحد هزيمة منهجية، واخرى ترى في ما جرى في أحد كان نكبة وليس هزيمة، لان المشروع الاسلامي لم ينهزم، وان العدو فشل في اجتياح المدينة.
في مقابل الاستشراق نجد السردية الاسلامية تنقسم هي الاخرى لمقاربتين:
الاولى: ذهبت بعيدا في المبالغة والغلو في تقدير الخسائر.
والثانية: تقول ان ما جرى في احد تمحيص وابتلاء، بدليل ان النبي (ص) وهو الجريح الاكبر في أحد، خلال وقت قصير استطاع ان يضمّد الجراح، ويستنكرها ويأمر المسلمين بالخروج مع جراحاتهم الى معركة حمراء الأسد. خرجوا وهم جرحى، وما ان وصلوا الى مشارف حمراء الأسد لكي يستردوا هيبة الجيش والامة، وإذا بقريش تلوذ بالفرار، وتحول الضعف الى قوة والانكسار الى انتصار عظيم.
الشهيد محمد باقر الصدر، ما بين السردية الاستشهادية والسردية الاسلامية يرى في أحد تطبيقا لسنن التاريخ الالهية من منطلق ان فلسفة النصر والهزيمة تستند الى شروط موضوعية مادية ونفسية. انتصر المسلمون في بدر بتوفر تلك الشروط، لكنهم انهزموا في أحد لخلل أصاب الأمة. ثم يقول: ان المسلم ينهزم بذنبه ومعصيته وانحرافه، لا بضعف عقيدته ورسالته. والخلاصة ان قوة الايمان لا تستغني عن قوة التنظيم وان الارادة الالهية لا تنهزم. المهزوم هو الانسان الغافل عن هذه الارادة.
لندخل في عمق الموضوع
هل استفاد المسلمون من دروس بدر؟ ومن دروس أحد؟ ومن دروس حنين؟
كان عدد المسلمين في حنين بالألوف، فأعجبتهم كثرتهم وأخذهم الغرور ولولا ثبت الهاشميين في حنين لتغير تاريخ الإسلام. لولا ثبات الموالين من اهل البيت لتغير وجه الشرق الاوسط.
ما يعنيني من هذه الاشارات ان مليارا ونصفا من المسلمين سقطوا في امتحان العدوان على الجمهورية، والسؤال: لماذا؟
لا يمكن تحليل هذا الواقع المحتقن بالخيبات والفشل بدون العودة الى البدايات، بل الى خفايا البدايات التي رافقت تأسيس الدولة القطرية من جهة ورافقت نشوء التكتلات الكبرى عند المسلمين العرب.
في ما نصطلح عليه “جامعة الدول العربية” و”منظمة التعاون الاسلامي”، مهزلات كثيرة من مهزلة الاحزاب الى مهزلة النخب الى مهزلة حركات النهوض. ستتضح لنا صورة هذا الانهيار الذي قادنا الى مستقنعات الفتن الدامية.
من كان يصدق ان المسلم يقول للمسلم: اسلامي افضل من اسلامك، وقرآني افضل من قرآنك ومذهبي افضل من مذهبك؟
الامام الخميني (ره) نظر الى هذا الانحطاط، وشهد العدوان الثلاثي على مصر في 1956. شهد الهزيمة في 1967 وشهد ما آلت اليه الاحداث بعد حرب 73 وكامب ديفيد، فوضع خطة خلاصية لانقاذ الامة، وبدأ من موضع ميلاد خاتم الانبياء صلى الله عليه واله وسلم، ودعا الى اسبوع الوحدة والى يوم القدس العالمي، وبدأ لاطلاق اوسع جبهة لاحرار العالم بدعوته في النصف من شعبان الى يوم المستضعفين، ودعا الى يوم المرأة لتكون المرأة درة التاج في كل قضية، ولطالما كان يتحدث عن نسيبة بنت كعب أم عمارة، المجاهدة الاولى في معركة أحد، فأضاءت ليالي أحد بالامل والقوة وبمعنى ان تكون المرأة المسلمة شرطا للانتصار والنهوض.
الامام كان من الاستثناءات النادرة من ائمة الفقه الاسلامي الذين اعتنوا بفقه القوة وفقه الضعف. كان يشرح لطلابه ان الحاجة للمقاومة عند الشعوب بكامل مشروعيتها القانونية والاخلاقية والدينية.
بدأت بمرحلتين:
الاولى: عند الاحتلال وسقوط الجيوش.
الثانية: عند تعطيل هذه الجيوش وشل حركتها، وبدلا من ان تكون حارسة للاوطان والسيادة واذا بها تصبح جزءا من المخططات الاجنبية.
عرفته في النجف الاشرف وكان يرتل بصوته الخاشع ترتيل اليقين: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون ان كنتم مؤمنين، ان يمسسكم قرح فقد القوم قرح مثله﴾.
اللهم حصن ثغورنا بقدرتك.



