
تحقيق المخطوطات: الأمانة العلمية والمسؤولية الشرعية
المتحدث لا يمثل رأي مؤسسة الابرار الاسلامية وانما يمثل رأيه
ندوة مؤسسة الابرار الاسلامية بتاريخ 25 سبتمبر 2025
المتحدث: الاستاذ محسن العباس
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد تربعت الأمة على عرش ثقافة لم تصلها اي ثقافة اخرى، وذلك بسلطان لغتها وقوةِ لسانِها العربي، وهما اللذان كونا اساس حضارة متميزة وفريدة ذات نهج غير مألوف تاركة إرثا كبيرا متكاملا ومتماسكا لن تبلغَه أمةٌ أُخرى؛ وكان المرجو ان يستمر نموُها الى هذا اليوم، ولكن مع الأسف، فقد بُليت هذه الأمة بهذا الخلف الطالح لخير سلف صالح فأضاع الإرث الذي دجَّن شعوب الارض وأخرجها من الظلمات الى النور.
خلّف المسلمون تراثا علميا وأدبيا، هو تراث الإنسانية، وفيه نرى ثراء الأمة الإسلامية في مختلف صنوف المعرفة وبلوغها مبلغا لم يكن قط عند أية أمة سابقة من الأمم. وبإمكاننا ان نتتبع بوادر تدوين الكتب، وكيف اتسعت فصارت نهجا، ثم اضحت ثقافة متكاملة متماسكة الجذور وظلت تنمو وتزدهر وتتسع وتستولي على كل معرفة متاحة أو مستخرجة بسلطان لسانها العربي حتى اكتملت، في كل علم وفن، اكتمالاً مذهلاً.
و”اللغة”، دون شك، هي وعاء جميع المعارف؛ اما “الثقافة” فهي ثمرة المعارف جميعا، وكان رأس الثقافة عند هذه الامة: الإسلام، بمعناه العام. فانتهج العلماء فيه منهجا اصبح في ما بعد ثقافة متكاملة تتداخل اللغة والثقافة فيها تداخلا عجيبا غير قابل للفصل.
فالإسلام يحض على العلم ويعتبره فريضة على كل مسلم. فأول آية نزلت من القرآن الكريم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} لتنبئ الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، بالرسالة وتنطق أول كلماتها بالدعوة إلى القراءة التي هي مفتاح التعلم، وتذكر القلم وهو وسيلة الكتابة ونقل العلم والمعرفة. واستمرت الدعوة الى العلم بارزة في كثير من آي الذكر الحكيم، بقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون}، وقال جل من قائل: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات}، الى غير ذلك الآيات.
إن اهتمام الإسلام بالعلم والتعلم والعلماء ليس له مثيل أو نظير في غيره من نظم أو أديان قديمة كانت أم حديثة. وكان تحصيل العلم يتم بطرائق متعددة اشهرها التلقين والتعليم الذاتي وكلتا الطريقتين تعتمدان على الكتاب اعتماداً أساسيا. وقد عرَف الاسلام قيمة الكتاب فأطلق اللفظة على القرآن المجيد، بقوله تعالى: {الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ}.
وما ورد في العلم والعلماء على لسان سيد المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه، إذ يقول: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”. وهو القائل ايضا: “العلماء ورثة الأنبياء” وهذا يدل على أن منزلة العلماء من أرفع المنازل في الإسلام بعلمهم وعملهم وتعليمهم وإرشادهم للعالمين.
وهكذا بدأ النهج، أولا، بكتابة المصحف وتفسيره وجمع أحاديث النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، وتدوينها، وما تفرع عن ذلك من فقه ودراسات فقهية وما الى ذلك، وتسجيل السيرة النبوية الشريفة والمغازي، والأنساب والأشعار والأدآب والتاريخ وعلم الفلسفة والحساب والعلوم بكافة انواعها كالطب ومفردات الادوية والبيزرة والبيطرة والصيدنة والجغرافية وما الى ذلك من العلوم والمعارف. وظهرت المكتبات الخاصة ولعل أول مكتبة تأسست هي مكتبة خالد بن يزيد بن معاوية بن ابي سفيان (ت: 85هـ – 704م، وقيل 90هـ – 708م). وبدأت الترجمة الى اللغة العربية واستوعب المسلمون الإنتاج المعرفي الذي قدمته الحضارات التي سادت قبلهم كاليونان، والفرس، والهند، والصين، ومصر، والعراق وغيرها، وترجموا إلى اللغة العربية جزءاً كبيراً ومهماً من تراث الأمم من فرس وهنود ويونان وأقباط وسريان وكلدان وما الى ذلك؛ وهكذا استقر تدوين الكتب وأخذ ينمو ويتسع ويستولي على كل معرفة واكتمل في كل علم وفن. وتطورت المكتبات ونضجت وازدهرت في القرن الثاني الهجري\الثامن الميلادي وبلغت ذروتها في القرن الرابع الهجري\العاشر الميلادي. وشهد القرن الثاني الهجري تطوير صناعة الورق الذي نقل الحركة العلمية نقلة مهمة، وازدهرت صناعة الوراقة او ما يعرف حاليا بمراكز النشر. وقد يصح القول إن الحضارة الإسلامية حضارة كتب ومكتبات.
لقد بلغ التشجيع العلمي أوجه عند المسلمين، وفُتح باب العلم للجميع لا يدفعه دافع ولا يمنعه مانع والتزمت الدولة الإسلامية دائماً بأداء واجبها تجاه العلم والعلماء، وتولد عند المسلمين نشاط علمي واسع في ميادين المعرفة المختلفة لم يعهده التاريخ. وحقق هذا النشاط ازدهاراً حضارياً رائعاً لقرون تسعة من تاريخ الإسلام. وتعد المكتبات في الحضارة الإسلامية من أهم المؤسسات الثقافية التي عني بها المسلمون، وكان لها دور كبير في الحياة الثقافية والعلمية بين المسلمين وفي العالم. واتسعت المكتبات في العصر العباسي حتى إن هذا العصر يعد بحق عصر الجماهر العلمية والمكتبات الإسلامية؛ وساعد على ذلك اتساع حركة التأليف والترجمة وتقدم صناعة الورق التي هي أساس صناعة الكتاب. ومن أشهر مكتبات ذلك العصر مكتبة بيت الحكمة في بغداد التي بُنيت في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي كان مولعا بعلوم الحكمة لاسيما علوم الطب والفلك والهندسة، بيد ان المكتبة قد آلت الى التراجع، بعد انتشار الزندقة ببغداد وضعف حركة الترجمة، أيام الخليفة المهدي وعدم عنايته بالكتب. ثم نمت وتطورت في عهد الخليفة هارون الرشيد واكتملت على يد الخليفة المأمون. وكانت المكتبة مركزاً مهماً لترجمة الكتب التي جمعها المسلمون من خزائن الكتب في مختلف أرجاء العالم. وكانت مكتبة بيت الحكمة مقسمة ومنظمة حسب المواضيع واللغات، ويشرف على كل قسم فيها علماء مختصون في مجالهم ذُكر منهم يوحنا بن ماسوية السرياني الذي كان يترجم عن اليونانية والفضل بن نوبخت الذي كان يترجم عن الفارسية، وكان المأمون يرسل العلماء المتخصصين للبحث عن الكتب وجمعها من مصادرها حيث كانت مكدسة في خزائن الكتب في الأديرة والمباني المختلفة في مدن كانت مهمة مثل عمورية وقبرص وغيرهما، واجتمع في بيت الحكمة عدد كبير من العلماء والباحثين ذُكر منهم محمد بن موسى الخوارزمي، وحنين بن إسحاق، وعلان الشعوبي، ويحيى بن أبي منصور من آل المنجم، وأبناء شاكر الثلاثة، وسهل بن هارون، وسعيد بن هارون وغيرهم.
وكان يعمل في المكتبات فريق من الفنيين كالناسخين والنقلة والمجلدين والملازمين والبوابين وغيرهم من الموظفين. وعرفت أيضاً مكتبات المساجد والمكتبات الخاصة والمكتبات العلمية والبحثية ومكتبات الخلافة ومكتبات المشافي. وكان المسجد مركزاً للعلم والدراسة إضافة إلى العبادة وذلك حتى زمن قريب ومازال بعضها كذلك حتى الآن في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي وأماكن تجمّع المسلمين. واشتهرت مساجد كثيرة باعتبارها مراكز للعلم والفقه والبحث كالمسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة والمسجد الأقصى المبارك في القدس المقدسة، والمسجد الكبير في صنعاء، والمسجد الأموي في دمشق، وجامع المنصور في بغداد، ومكتبات مصر الفاطمية كالجامع الأزهر في القاهرة، ومسجد الزيتونة في تونس، ومسجد قرطبة في الأندلس، وكانت مكتبات هذه المساجد عامرة بالكتب التي اشتملت على معظم أنواع المعرفة. ويعد جامع الأزهر، مثلاً، أقدم جامعة في العالم مازالت قائمة منذ أكثر من ألف سنة وتعمل على نحو متواصل.
ويمكن القول بأن المكتبات الإسلامية قد ظهرت بصورة واضحة في نهاية القرن الثاني للهجرة إذ زودها الخلفاء والأمراء وغيرهم من العلماء والأثرياء بما تحتاج إليه من الموظفين ومواد الكتابة؛ وتبارى الخلفاء والأمراء والعلماء في اقتناء أنفس الكتب وأكثرها ندرة مهما كلفهم ذلك من أموال طائلة.
كان العصر العباسي الثالث الذي بدأ بابتداء الدولة البويهية سنة 334 هـ، وانتهى بدخول السلاجقة الى بغداد سنة 447 هـ، هو العصر الذهبي بحق للعلوم الاسلامية، اذ عنده كان النضج للعلوم. وكان للدويلات التي اظلها هذا العصر، الى جانب بغداد، أثر في هذه النهضة العلمية، وما تمخضت عنه من تواليف كثيرة، فكان الأمويون في الاندلس، والفاطميون في مصر، والبويهيون في العراق وفارس وخراسان، والحمدانيون في حلب والموصل، والغزنويون في افغانستان والهند وهلمجرا.
كلنا يجهل بتراث أمته ويدرك واقع التحقيق القاصر لتراث أمتنا ويشعر بمدى الحاجة الى إخراجه بصورة صحيحة مبرأة من الخطأ والتصحيف والتحريف. جل الكتب المحققة التي ظهرت تدل على افتقار المحققين الى الإحاطة بالتراث الإسلامي؛ فعملية تحقيق كتب التراث العربي الإسلامي ليست هينة ولا يسيرة بل يلزم لها معرفة دقيقة بكتب الأسلاف من تفسير القران وعلومه على اختلافها الى دواوين حديث النبي الأكرم (ص) وشروحها الى ما تفرع عليه من كتب مصطلح الحديث وكتب الرجال الى كتب الفقهاء في الفقه واصول الفقه وكتب الملل والنحل ثم كتب الأدب والبلاغة والنحو واللغة والتاريخ وكتب الفلسفة وأبواب العلوم كالطب والصيدنة والكيمياء والجبر والحساب والفلك والنبات والبيزرة والبيطرة الى ما تبعها من العلوم.
وقد نافست دولة الأمويين في الأندلس، ودولة الفاطميين في مصر، ودولة البويهيين في العراق وفارس، ودولة الحمدانيين في الموصل وحلب، ودولة الغزنويين في أفغانستان والهند وغيرها من الدول آنئذ، (نافست) بغداد في العلم والمعرفة، حتى أن كثيراً من العلماء خرج من بغداد الى تلك الدويلات، وهذه الرغبة من السلاطين والملوك في العلم والإيثار لأهله، جمعت العلماء على التحصيل، وهكذا كثر التأليف، وكثرت المكتبات، فنشأت ظاهرة جديدة هي حصر تلك العلوم وتبويبها، والتعريف بكل علم فيها. وكان ثمة فهارس لبعض تلك المكتبات التي انتشرت في عواصم تلك الدويلات، وهذه المهمة الشاقة، مهمة وضع فهرس يضم العلوم، عِلما عِلما، ويضم مع كل عِلم عُلماؤه مع التعريف بهم، ويضم مع كل عالم كتبه مع التعريف بهذه الكتب.
كذلك مشكلة ترجمة عناوين المخطوطات من اللغة العربية الى اللغة الانكليزية، فالإخفاقات كثيرة، فهم يترجمون، مثلا: “آي القرآن” الى “أي قرآن”What is the Qur’an, fixing of writing ،
أو “فينكس كتبه”، وأحيانا يكتبها القدماء: بينكس، ومعناها: ثبت الكتب، ولكنهم يترجمونها: “تعديل كتاباته”، كذلك انهم لا يميزون بين إبنة الرجل ومرض الأبنة، والعياذ بالله، وغيرها.
وإني أنتهز هذه الفرصة لأشيد بما قدمه أستاذي وأخي الدكتور عدنان عيدان، في مجال اللغة العربية، ومشكلة النقل من اللغة العربية الى اللغات الأخرى، وأملي أن يقدم محاضرة في هذا المكان المبارك.
ولعله من المناسب في هذا المكان أن اذكر: في إحدى المرات، قرأت في فهرس المخطوطات العربية في مكتبة البودليان التابعة لجامعة اوكسفورد، عنوانا لاحد المخطوطات: وقد كتب حرف “C” في كلمة character حرف صغير وفي الكلمة الثانية بحرف كبير، أي: صفة، والشخصية:
The Mystical character of the Arabic Character
الخواص السرية\الغامضة\الخفية\الباطنية للحروف العربية
وعند فحص المخطوط وجدنا ان المخطوط لا علاقة له بالخفاء او الغموض او الاسرار بل ان المخطوط كان لاحد الازياج وان الناسخ حاول ان يجرب القلم قبل البدء بكتابة الزيج. (اعلمنا السيد كولن ويكفيلد، الذي كان امين المخطوطات العربية في المكتبة، ان عنوان المخطوط خطأ، واعتقد أنه قد أصلحه.)
هذه إطلالة سريعة جدا على تاريخ الكتاب العربي، وسأحصر حديثي على كتاب واحد فقط، ألا وهو: “كتاب الفهرست للنديم”.
إن مشكلة “تحقيق النصوص” تكمن في أهلية “المحقق” أن يأخذ على عاتقه وأن يُؤدَّى الكتاب أداءً صادقًا كما وضعه مؤلفه كمًّا وكيفًا بقدر الإمكان. والكتاب المحقق: هو الذي صحّ عنوانه واسم مؤلفه ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه.
والذي يروم النزول إلى ميدان التحقيق، كما قال المرحوم محمود شاكر في مقدمة كتابه: المتنبي: ينبغي أن يتحلى بشروط ثلاثة:
أولها: لغته التي نشأ فيها، وأن يكون محيطا بأسرارها الظاهرة والباطنة، وثانيها: ثقافة أمته التي ينتمي إليها وارتضع لبنها يافعا، وذلك عن طريق الإيمان بها والعمل بها والإنتماء إليها، وأخيرا: القابلية على ضبط أهوائه.
وهذه أركان وأعمدة ثقافة المحقق، وبدون هذه الأركان ينتقص بنيان ثقافته، وتصير مجرد معلومات ومعارف وأقوال مطروحة مفككة.
فشطر المادة يتطلب، قبل كل شئ، جمعها من مظانها على وجه الإستيعاب المتيسر، ثم تصنيف هذا المجموع، ثم تمحيص مفرداته تمحيصا دقيقا، والتمرس بنهج النساخ في كتابتهم، تلافيا للوقوع في الوهم، واللبس بين ما هو حواش وشروح على هامش النسخة، أو إضافات من بعض النساخ، وبين ما هو من صُلب الكتاب. فضلا عن معرفة نوع الورق والحبر المستخدمين في المخطوط إن تيسر له ذلك، فعلى سبيل المثال، مخطوط مصحف “منغانا” في جامعة برمنغهام، الذي قالوا عنه انه أقدم المصاحف في العالم، انبرى لهم استاذي واخي قاسم السامرائي، وطلب فحص الحبر، ولكنهم رفضوا ولم يسمحوا له، ولعل النسخة تعود الى اواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث للهجرة، بدليل الفصل بين السور بما يُسمى الخطوط الحمر المفتولة، والفصل بين الآيات بالنقاط الثلاث أو الأربع، ومن ثم استعمال المداد الذهبي والأحمر هنا وهناك، واستعمال التنقيط في بعض الحروف، فضلا عن استخدامهم طراز الخط الحجازي المائل، إذا قارناه بما وصل إلينا من مصاحف صنعاء المكتوبة على الرق وغيرها من المصاحف الرقية التي وصلت إلينا، ونقائش الشواهد والبرديات الى غير ذلك من محملات الكتابة والنقوش؛ ولا عبرة بالتحليل المخبري للرقوق، وفي هذه الحالة يعرف بالطروس، فقد يكون أقدم من كتابة النص.
والشئ بالشئ يذكر، نقرأ باستمرار، هناك مصاحف بخط الإمام علي، عليه السلام، هنا وهناك، وهذا بالطبع غير صحيح على الإطلاق وذكر النديم: ورأيت أنا في زماننا عند أبي يعلى حمزة الحسني، رحمه الله، مصحفا قد سقط منه أوراق بخط علي بن أبي طالب يتوارثه بنو حسن على مر الزمان.
وقبل الحديث عن تحقيق المخطوط علينا ان نشير الى فهارس المخطوطات، وهنا لا بد من الإشارة الى أن هناك اعداد كبيرة من المكتبات لم تفهرس مخطوطاتها بعد، وقد كانت المحاولات الأولى، من خلال مؤسسة الفرقان ان تصدر أولا مسحا للمخطوطات الإسلامية في العالم، World Survey of Islamic Manuscripts، ثم تقوم بفهرسة مخطوطات المكتبات غير المفهرسة، وبدأت ببعض مكتبات إفريقية، ولكن الإهتمام بإخراج الفهارس تعرض الى نكسات كبيرة، لعل أهمها سرقة المخطوطات، كما حدث خلال الإحتلال الأمريكي للعراق، على سبيل المثال وليس للحصر، فقد سُرقت كثير من المخطوطات وذلك لبيعها خارج العراق، كما وان المخطوطات المكتوبة باللغة السريانية والعبرية قد سرقت من قبل جيش الإحتلال، كما حدث في تدمير أهم مراكز دراسات الخليج، مركز دراسات الخليج في جامعة البصرة.
فالمحقق اولا عليه ان يعرف مواطن المخطوط الذي ينوي تحقيقه، وعدم توفر فهارس المخطوطات، يبقى العمل ناقصا، ولعل التقنية الحديثة، التي أضحت جزءا من الحياة اليومية، خاصة ما يسمى بالذكاء الاصطناعي ، أو الـ AI، فبالإمكان، في المستقبل، التوصل الى المكتبات التي تحتوي على المخطوطات العربية، والمكتبات الخاصة بصورة خاصة، والتعرف على ما تحويه هذه المكتبات. ولعل هذا هو أحد الأسباب الذي يؤدي الى قصور التحقيق أيضا، فبعض المحققين يحقق مخطوطا دون أن يتحقق من نسخ أخرى في مكتبات أخرى، كما حصل لكتب عديدة، طبع الكتاب فوجدوا نسخة أخرى يقوم بتحقيقها شخص آخر، كما حدث مع كتاب الاوراق للصولي، والذي سيأتي بعد قليل. وهنا لا بد أن أذكر هنا أخي د. علي العتابي، الخبير بالذكاء الإصطناعي، ولعلنا نستفيد من علمه في هذه المؤسسة المباركة، وأنا على يقين انه بعد أن ينهي كتابه في ردّ الإعتبار للغة العربية عن طريق استخدام الذكاء الإصطناعي، سيكون لديه الوقت لاتحافنا جميعا.
ان عنوان الحديث هذا المساء يدور: تحقيق المخطوطات: الأمانة العلمية والمسؤلية الشرعية، بالطبع لا يمكن الخوض فيه على عجالة، فهناك كتب تعد بالالاف محققة، ولو أخذنا جزءا بسيطا منها لاحتجنا الى أشهر لتغطية جزء بسيط منها، ولكني كما قلت سأحصر حديثي المقتضب جدا على فهرست النديم، ولنا موعد حول تحقيق المخطوطات بعد الإنتهاء من أخراج الكتاب.
تعود علاقتي بكتاب الفهرست للنديم الى بداية السبعينات من القرن الماضي، حينما سألني أحد طلاب الدراسات العليا بالتعليق على بعض القراءات الشاذة لابن شنبوذ، نحو: “إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامْضُوا إلى ذكر الله”، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ﴾. وقراءات أخرى؛
وكلنا يتذكر: “إذا جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا، وهناك قراءة: فتثبتوا”.
نعود الآن الى النديم وكتابه: لم يظلم التاريخ مؤلِفاً كما ظلم النديم، فالمعلومات عن هذه الشخصية العبقرية نادرة، على الرغم من أن المؤرخين والأخباريين توقفوا أمام شخصيات أقل أهمية وشأناً. إن شحة بل وقلة المكتوب عن النديم، وموهبته وعمله العلمي العظيم، في المراجع والمصادر التي بين ايدينا جعلت المتصلين بكتابه الفهرست يفتشون بين ثنايا هذا الكتاب علهم يجدون شيئا يلقي ضوءا على حياته. فمن هو هذا النديم الذي أقام الدنيا وما اقعدها بمؤلفه الفهرست! وتناوله العلماء والباحثون، بعد القرن الخامس والى يوم الناس هذا، بالتعظيم تارة وبالتشهير تارة اخرى.
وأبدى بعض الباحثين احتمال أن يكون تشِّيع النديم واعتزاله هو العلة والسبب في تغاضي أصحاب كتب التراجم عنه أو إسقاط ترجمته من كتبهم، عِلماً أنهم نقلوا عنه في مؤلفاتهم؛ فياقوت الحَمْوي وابن حجر والذهبي شككوا فيه واتهموه بالإعتزال والزيغ، على حد تعبير ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان. والخطيب البغدادي لم يذكره في “تاريخ بغداد” مع ان الخطيب من بغداد وقريب العهد منه أيضا. ونقل عنه إبن خَلَّكان (681\1282) في ترجمته لأبي إسحاق الصابي، ويقول القفطي (646\1248)، عندما ينقل عن النديم: “محمد بن إسحق أبي يعقوب، أبو الفرج المعروف بابن النديم، وكان كثير البحث والتفتيش عن الامور القديمة، كثير الرغبة في الكتب وجمعها وذِكر أخبارها وأخبار مصنفيها ومعرفة خطوط المتقدمين”.
وعلى الرغم من استفاضة بعض المؤرخين في وصف النديم بالتشيع فهناك اختلاف في مصادر ترجمته في الكتب الشيعية. فالشيخ عباس القمي في كتابه “الكنى والألقاب” يثبت له هذا الوصف ويمدحه ويطريه، بل يزيده وصفًا جديدًا “الإمامي”؛ يقول: “أبو الفرج محمد بن اسحاق النديم المعروف بابن ابي يعقوب الوراق النديم البغدادي،الكاتب الفاضل الخبير المتبحر الماهر الشيعي الإمامي مصنف كتاب “الفهرست” الذي جوّد فيه واستوعب استيعابا يدل على اطلاعه على فنون من العلم، وتحققه بجميع الكتب”.
وعلى عكس ذلك نجد ابا القاسم الخوئي، رحمه الله، في “معجم رجال الحديث” يرجح أنه من (العامة)، أي ليس شيعيًّا، وينفي ثبوت وثاقته؛ فيقول: “الظاهر أنّ الرجل من العامّة؛ وإلاّ لترجمه النجاشي والشيخ [الطوسي] في كتابيهما، ولم يثبت وثاقته أيضا؛ فإنّ مجرد نقل النجاشي والشيخ عنه لا يدلّ على وثاقته”.
ولما ترجم النديم لأبي عمر محمد بن عبدالواحد الزاهد غلام ثعلب، قال: “كان نهاية في النصب والميل على عليٍ عليه السلام”. وعند ترجمته لمصعب بن عبدالله مصعب الزبيري، قال: “كان أبوه عبدالله من أشرار الناس متحاملا على وِلد علي عليه السلام”.
والملفت للنظر أن ما ذكره النديم من تقسيمه لشيعة علي، عليه السلام، إلى الأصفياء والأولياء و … هو عين التقسيم الذي أورده البرقي لأصحاب أمير المؤمنين، عليه السلام، حيث قال: “أصحاب أمير المؤمنين من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: الأصفياء، ثم الأولياء، ثم شرطة الخميس، ثم الأصحاب من الأصفياء، من أصحاب أمير المؤمنين، عليه السلام: سلمان الفارسي، المقداد، أبو ذر الغفاري، عمار بن ياسر …”.
ولد النديم في عصر تربعت فيه الأمة على عرش ثقافة لم تصلها اي ثقافة اخرى وذلك بسلطان لغتها وقوة لسانها العربي، اللذان كونا اساس حضارة متميزة وفريدة ذات نهج غير مألوف تاركة إرثا كبيرا متكاملا ومتماسكا لن تبلغه أمة أُخرى؛ وكان المرجو ان يستمر نموها الى هذا اليوم، ولكن مع الأسف، فقد خمت الدنيا بهذا الخلف الطالح لخير سلف صالح وأضاع الإرث الذي دجَّن شعوب الارض.
كتاب الفهرست مصدر لا غنى عنه لجميع المؤلفين الذين اهتموا بذكر مصنفات علماء القرون الأربعة الأولى للإسلام. فهو أشمل وثيقة أحصت لنا الأعمال الفكرية، وهو مرجع لا غنى عنه لمعرفة مصنفات المُحَدِّثين والفقهاء والمفسرين والأصوليين والأخباريين والفلاسفة وأهل المذاهب والعلماء والأدباء قبل نهاية القرن الرابع الهجري؛ وهو أحد أجل وأقدم أمهات كتب التراث العربي في مجال الفهرسة. وكم من كتاب كان مفقوداً تم التنقير عنه فاكتُشِف؛ لم يكن ليُعرف لولا أن دلنا هذا الكتاب على أنه تم تأليفه. فجلالة كتاب الفهرست وفضله قد ساهمت في وضع أسس الفهرسة الحديثة. فالنديم قد أعد كتاب الفهرست ليكون سِجلا شاملا لكل ما صُنِّف من كتب بلغة العرب وبمختلف أصناف العلوم والمعرفة والثقافة والفن واللغة والأدب، مع إعطاء نبذه موجزة عن حياة مصنفيها، بما يكشف عن النشاط الفكري والعلمي العملي في ذلك العصر.
وتكمن أهمية النديم في حفظه أسماء الرواة الأوائل من الأخباريين وأسماء كتبهم المؤلفة عن البصرة، مثلا، وأخبارها وفتوحها، التي ضاعت أو فقدت أصولها فضلا عن أسماء العلماء وصناعاتهم. وما زال كتاب الفهرست من المصادرالرئيسية والمهمة لمن يريد ان يعرف مَن الذي ساهم في التآليف الفكرية والثقافية وصناع الالات حتى نهاية القرن الرابع الهجري، فالكتاب قد جاء على أكثر من ثمانية ألآف وثلاثمائة وستين عنوان.
جاء كتاب الفهرست حاويا، تقريباً، جلَّ العلوم والفنون الموجودة في عصره؛ فقسم كتابه إلى عشر مقالات تناول في كل مقالة عِلما خاصاً مختلفاً عن علم مقالة أخرى؛ ومن ثَم قسَّم تلك المقالات إلى وحدات فرعية أطلق عليها اسم فنون، يختلف عددها من مقالة إلى أخرى، وذلك حسب طبيعة مادة كل مقالة، ويلاحظ أن المقالة العاشرة لم تقسم إلى فنون وإذا عدت فنا واحدا يمكن عد الفنون الواردة في الكتاب ثلاثة وثلاثين.
طُبع كتاب الفهرست مرات عديد وكلها طبعات سقيمة مليئة بالتصحيف والتحريف والتدليس والسقط، ومما زاد الطين بلة هو جهل المحققين المدقع بطبيعة المادة:
1) نشرة فلوجل لايبزك 1871-1872م.
2) نشرة دار الكتب الحديثة، القاهرة 1348هـ/1929
3) قسم يتعلق بالمعتزلة نشره يوهان فوك وأعاد نشره محمد شنيع بلاهور سنة 1955.
4) نشرة مكتبة خياط، لنشرة فلوجل بالتصوير، بيروت 1964م
5) نشرة رضا تجدد طهران 1391هـ/ 1971م، وسنتحدث عنها لاحقا
6) نشرة دار المعرفة ببيروت 1398هـ/ 1978م
7) نشرة ناهد عباس عثمان، دار قطري بن الفجاءة، الدوحة – قطر 1985. (حصلت على لقب دكتور في تحقيق كتاب الفهرست من جامعة أكستر، بإشراف محمد عبدالحي شعبان، فقد نسخته من الطبعات المنشورة، فمسخته وشوهته حين أدخلت في نصه الكثير مما ليس منه، وأثبتت كل الأخطاء والأوهام في الطبعات الأخرى، إضافة الى الأخطاء الطباعية).
8) نشرة شعبان خليفة ووليد محمد العوزة: دراسة بيوجرافية\ببليوجرافية\ببلومترية، القاهرة: العربي للتوزيع والنشر 1991م. (علما أن شعبان خليفة هو رئيس قسم الكتب والمكتبات في جامعة الإسكندرية، وتلميذه وليد العوزة).
9) نشرة يوسف علي طويل، بيروت: دار الكتب العلمية 1416هـ/1996م
10) نشرة المكتبة التجارية، مطبعة الاستقامة، القاهرة د.ت، وهي مصورة من نشرة فلوجل.
11) نشرة الشيخ إبراهيم رمضان، اعتنى بها وعلق عليها، بيروت: دار المعرفة 1415/1994.
12) نشرة محمد عوني عبدالرؤوف وإيمان السعيد جلال، القاهرة: سلسلة الذخائر، هيئة قصور الثقافة المصرية، 2006.
13) نشرة أيمن فؤاد سيد، لندن: مؤسسة الفرقان 1430\2009، طبعتان، الأولى أدخل في نص النديم ما ليس منه، والطبعة الثانية “مزيدة ومنقحة”، 1435\2014، وهي لا تختلف كثيرا عن الطبعة الأولى إلا ببعض التصحيحات القليلة.
والعبد الفقير الى الله تعالى نقد تحقيق شعبان خليفة ووليد محمد العوزة، (مجلة معهد المخطوطات العربية، مجلد: 41، ج: 2، 1418هـ – 1997م، ص: 149 – 171)، وتحقيق أيمن فؤاد سيد (مجلة العربية والترجمة، عدد 42 (2023)، ص: 199 – 219؛ وترددت كثيراً في الكتابة عن تحقيق أيمن حتى لا يؤول موقف العبد الفقير على غير ما قصد، ولكن بعض الإخوان أصروا على أن أعاود الكتابة والقول في ما نعتقده الصواب، وخاصة عند ذكرهم أن الأستاذ عصام محمد الشنطي قد خصّ نشرة الأستاذ أيمن فؤاد السيد لكتاب الفهرست ليكون موضوعاً للبحث المقرر على طلبة قسم تحقيق التراث بمعهد المخطوطات العربية.
إن تحقيق كتاب مثل كتاب الفهرست ينبغي أن يقوم به متخصصون في مجال الكتب والمكتبات والتوثيق للاستفادة من دراستها دراسة وراقية وقياسية للحركة العلمية آنذاك، وتحليل المتغيرات التي طرأت عليها، أي دراستها دراسة ببليومترية. ولعل الأستاذ رضا تجدد المازندراني، عانى في إخراج كتاب الفهرست، لأن تحقيقه اشتمل على أخطاء وهنات وتصحيفات كثيرة جدا ومجانبة للصواب، اعترف نفسه بها، فيقول: ” في مقدمته لكتاب الفهرس صفحة، ج: “ومع كل هذا فإني أعترف صراحة بأن الكتاب لا يزال بحاجة الى النظر والتدقيق والدراسة والتحقيق، ولا يستوفي حقه إلا بقيام لجنة من فطاحل العلماء الأخصائيين في الأدب والشرائع والعلوم العقلية لاستكشاف المتباقية فيه من المبهمات والمعضلات، وتهذيبه كما كان متداولا في سوق الوراقين ببغداد في عهد مؤلفه العبقري رحمه الله”؛ وللأسف حذا حذوه، في الأخطاء والتصحيفات، من جاء بعده حذو النعل بالنعل.
وساقتصر على بعض الأمثلة، على تمادي المحققين في إخفاقهما في التحقيق، على سبيل المثال:
ففي نشرة شعبان خليفة ووليد محمد العوزة، جاء من التصحيف والخطأ ما يثير الإشمئزاز، وسأقتصر على مثلين، نحو، ص: 93: “فقال الأثرم: مثقل استعان بذقنه، فقال يعقوب: هذا تصحيف، إنما هو بذقنه”، والصواب: “فقال الأثرم: مثقل استعان برقبة، فقال يعقوب: هذا تصحيف، إنما هو بذقنه”، وجاء في، ص: 548: “ثابت بن قرة … وكان صديقنا غير أن استصحبه محمد بن موسى”، والصواب: “ثابت بن قرة … وكان صَيرفيّاً بحَرّان، استصحبه محمد بن موسى”. لا أريد التوقف اكثر، فبالامكان مراجعة المقال.
أما أيمن فؤاد سيد، وأنا أعرفه وقد نصحته بقراءة نقدي لتحقيق شعبان خليفة ووليد محمد العوزة لكتاب الفهرست المنشور في مجلة معهد المخطوطات، وقد أشار إليها في مقدمته، ص: 98، بيد انه لم يستفد منها، وعَوَّل على أخطاء رضا تجدد، وتصحيفاته وتدليسه، كما فعل شعبان خليفة ووليد العوزة وناهد عباس عثمان.
وعندما أصدرت مؤسسة الفرقان الطبعة الأولى من الفهرست بتحقيق أيمن فؤاد سيد، أخبرناهم ببعض المشاكل التي تكتنف النص من أوهام وتدليس وغير ذلك، ووعدوا خيرا.
سأقتصر على إعطاء نماذج من أوهام “المحقق”؛ فلو توقفنا عند كل هفوة أو توهم أو تدليس أو تصحيف أو تدخل في النص أو اسقاطات لاحتجنا إلى ساعات طويلة ومملة، وجاء نقدي لتحقيق أيمن موجزا جدا، والحقيقة لو كتبت عن كل الاخطاء لجاء كتابا كاملا، كما ترون في الكتاب.
من أُولى المبادئ التي يتعلمها الذي يعمل في التراث المخطوط هو عدم تزنيم النص. ومثل إلحاق نص هو ليس من الأصل كمثل الزنيم، والزنيم كما هو معلوم عند الناس جميعا هو المستلحق بقوم وليس منهم.
تحيط بالنص مشاكل جمة إذا ما أضفنا إليها الحروف المعجمة \ المنقوطة، نحو الحصري والحضرمي أو المري والمزني والنصري والبصري… الخ. والحركات على الحروف، نحو: الهَمَدَاني، والصواب أما الهَمْدَاني أو الهَمَذَاني؛ الهمداني يمني والهَمَذَاني من بلاد فارس. كذلك يضيع قارئ الفهرست بين ابن وأبو، الخ.
ومن التصحيف الفاحش والتصرف على هواه دون الرجوع إلى المضان الأخرى، ما جاء، على سبيل المثال وليس للحصر، ج: 1، ص: 82: “ابن شنبوذ … وكان يناوئ أبا بكر [ابن مجاهد] ولا يَعْشِرُه وكان دَنِيًّا، فيه سلامة وحمق”.
السؤال: كيف يكون ابن شنبوذ دَنِيًّا وفيه سلامة وحمق؟ ينقل ياقوت في معجم الأدباء عن السيرافي، ج: 17، ص: 168 – 169: “وكان دَيِّناً”؛ ويقول الذهبي في سير أعلامه، ج: 15، ص: 265: “وكان إماماً صدوقاً أميناً متصوناً، كبير القدر”. وهذا التدخل يجري ليس في النص فحسب بل يتعداه في الحواشي، كما سنبين لاحقاَ.
ينبغي أن نعود هنا إلى تصرف الأستاذ أيمن فؤاد سيد على هواه دون الرجوع إلى مضان أخرى، بغية التعرف على المصطلحات، خاصة ما جاء في الفن الأول من المقالة السابعة: أخبار الفلاسفة … ونورد مثالا واحدا فحسب، وذلك بسبب قراءته المجانبة للصواب، فقد ذكر في، ج: 2، ص: 162: الكلام على أنَالُوطيقا الأولى … فسّر الإسكندر، إلى الأشكال الجُمْلِيَّة،
والصواب: الحَمليَّة (بالحاء المهملة)، والحَمليَّة تمثل الركن الأساس في المنطق الأرسطي، وهو يُعقد بثلاثة أمور: أولها معنى الموضوع، وثانيها معنى المحمول، وأخيراً الحكم الحاصل بينهما. ولاستكمال شروط الحمل لا بُدَّ أن يكون للموضوع والمحمول معنى في ذهن المتلقي.
ومن المشاكل التي يعاني منها قارئ الفهرست الهوامش والحواشي. ففيها الشطحات والتمدد مما ينفي الاستفادة من النصّ، على سبيل المثال وليس الحصر، ج: 1، ص: 602: ذكر النديم “كتاب الزُّمُرُد” لابن الرَّوَنْدي، يحتج فيه على الرسل وإبطال الرسالة. وهنا ينبري الأستاذ أيمن فؤاد سيد لينير الطريق لقارئ الفهرست بقوله في الحاشية: راجع عن موضوع الكتاب وعلى الأخص قضية المباهلة مقال S. STROUMSA, “The Blinding Emerald: Ibn Rwandi’s Kitab al-Zumurrud”, JAOS 114 (1994) PP. 163-85.
لا أدري مدى علاقة كتاب الزُّمُرُد بقضية المباهلة؟ المباهلة، إذا كنت لا تدري، جاءت من قوله تعالى في سورة آل عمران آية 61: {فَمَنْ حَآجَّكَ فيه من بعد ما جاءك من العلم فقُلْ تعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءكم ونساءَنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثُمَّ نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين}. نزلت هذه الآية الكريمة، في السنة العاشرة من الهجرة، بعد أن كتب المصطفى، صلوات الله وسلامه عليه، رسالة إلى أسقف نجران يدعوه فيها وأهل نجران إلى الإسلام، وكان أهل نجران أعظم النصارى قولاً في عيسى عليه السلام، وكانوا يجادلون النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، فيه. فقرر الأسقف وأهل نجران بإرسال ممثلين عنهم، وبعد الحوار الطويل بين الطرفين، أمر النبي الأكرم بالمباهلة مع من جادلوه، وحددوا اليوم الذي يلتقون فيه خارج المدينة المنورة، بعدها نزلت الآية الكريمة. وعندما اصطحب النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء وولديها الحسن والحسين، سلام الله عليهم أجمعين، أبوا التباهل. اُنظر، على سبيل المثال وليس للحصر: كتاب صحيح مسلم وصحيح الترمذي ومسند أحمد بن حنبل والمستدرك على الصحيحين والتفاسيىر كتفسير ابن كثير، وهلمجرا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يميز الأستاذ أيمن بين الأب والابن، على سبيل المثال وليس الحصر عند ذكر الجعابي، ج 1، ص: 690، فهو يذكر النجاشي، والنجاشي يترجم للابن كما وردت في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي وسير أعلام الذهبي وفوات الوفيات للصفدي وغيرها من المصادر والمراجع.
يُدخل “المحقق” نصوصاً ليست من الأصل، على سبيل المثال وليس للحصر ما جاء في، ج: 2، ص: 296 نقلاً عن القفطي: [وربن اسم سهل لأنَّه كان ربين اليهود]؛ كان على “المحقق” إنْ يذكر هذا الاختلاف في الهامش، علماً أنَّ علي بن ربن يقول هو نفسه “إنَّه نصراني”، كما جاء في “كتاب الدين والدولة”، تحقيق عادل نويهض، بيروت 1973، ص: 35-36، 98، 210. وأكد على نصرانيته في “كتاب فردوس الحكمة”، تحقيق محمد زبير صديقي، برلين 1928، ص: 518 – 519.
إن تراثنا المخطوط يعاني من عبث الجاهلين من المحققين واصحاب المطابع ودور النشر.
إن تحقيق النصوص والمخطوطات أمانة دينية وعلمية وأخلاقية، وإن من واجب المحقق أن يعلم أن هذه النصوص إنما هي وثائق تاريخية لا يحق له أن يتلاعب بها وأن يجعل من نفسه مصححا أو مقوما لهذه الوثائق.



