
الانسانية بين الدين والشرائع الدولية
ومجلس شهادة الامام الحسن عليه السلام
بالمتحدث لا يمثل رأي مؤسسة الابرار الاسلامية وانما يمثل رأيه
رنامج مؤسسة الابرار الاسلامية الاسبوعي
التاريخ: الخميس 31 يوليو 2025
التقديم سماحة الشيخ حسن التريكي
﴿هلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾
﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾
تمر علينا ذكرى شهادة الإمام الحسن بن علي عليه السلام.
كانت ولادته في نصف رمضان سنة 3 هجرة، وشهادته 7 صفر سنة 50 هجرية. فعمره كان 47 عاما، عاش منها 7 سنوات مع جده وأمه، ثم عاش 40 عاما مع ابيه الامام علي عليه السلام. وكانت فترة امامته بعد استشهاد الامام علي عليه السلام عشر سنوات.
الامام الحسن (ع) سبط رسول الله (ص) وريحانته وسيد شباب اهل الجنة.
جاء فيه من القرآن ما جاء في أهل البيت من آيات تذكر فضائلهم. نزلت فيهم آية التطهير ﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾.
﴿ مَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. ونزلت فيهم سورة الدهر وسورة الإنسان.
قصة الإمام الحسن عليه السلام: مرض الحسنان فنذر اهل البيت ان شافاهما الله فسيصومون ثلاثة ايام ولما شفاهم الله صامت الزهراء والحسن والحسين وكان افطارهم على قرص من الخبز. وفي كل يوم كان يأتيهم سائل فيتصدقون عليه بالقرص. في اليوم الثالث جاءهم رسول الله ورآهم يفترشون الجوع، فنزلت الآية المذكورة ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾.
برنامج الليلة يتكون من محورين:
الاول: الانسانية المعذبة في عصرنا الحاضر، ونحن نتابع ما يجري في عالمنا وما يعانيه اهل غزة من الجوع والألم، لنقارن بين ما فعله اهل البيت من تصدق بالطعام.
سماحة الشيخ حسين شحادة، الاستاذ الاكاديمي والباحث ثم مجلس عن شهادة الامام الحسن عليه السلام.
سماحة الدكتور الشيخ حسين شحادة
عنوان الندوة: الإنسانية بين الدين والشرائع الدولية وهو عنوان شائك وملتبس ويحتاج وقتا طويلا.
ساقدم خلاصة لرؤيتي عن الاشكالات العميقة التي تلامس هذا العنوان.
في ضوء المقارنة بين مناهج الفلسفات الحديثة التي ساهمت بتكوين العقل الغربي وانتاج ثقافاته فان الانسانية كمصطلح فلسفي تبلور مع الفلسفة التحليلية لنظام اللغة ومنطق المفاهيم، واشتبك مع الفلسفة الوجودية والماركسية ليصل الى الفلسفة المثالية والأخلاقية وسواها من الفلسفات المحدثات في عصرنا الراهن.
الفلسفة الانسانية تدور مدار قيمة الانسان ومدى قدرته على ممارسة حياة هادفة وهانئة مسكونة بتحمل المسؤوليات الفردية والمجتمعية من اجل الخير العام، بغض النظر عن هذه الفلسفة الانسانية.
نعلم ان هناك نزعات انسانية متدينة ونزعات غير متدينة، بغض النظر عن الانسانية المتدينة وغير المتدينة. الفلسفة الانسانية عقلانية في نظرتها للعالم والكون وتسعى لتكريس العدالة في الارض وحقوق الانسان. بغض النظر عن الجدال الفلسفي الذي دار بين الفلاسفة القدامى والمعاصرين حول الفطرة الانسانية الثابتة على المعرفة والاخلاق.
فريق من الفلاسفة ذهب الى ان الفطرة ثابتة وفريق قال ان الطبيعة الانسانية متقلبة لانها واقعة تحت سلطة الواقع.
لنأخذ من القرآن الكريم الآية الانسانية الكبرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
لنربط ذلك بالآيات الكثيرة لنصل الى تأسيس ثقافة التعاون مع الأغيار والمختلفين. لك ان تمد يدك الى الشرائع الدولية وتختار منها النصوص ذات البعد الانساني. اذا كانت الرؤية الدينية بهذا النقاء الإنسانية واذا كانت الشرائع الدولية نشأت من اجل الانسان، استطيع القول أنه لم يبق من الشرائع الدولية الا الجلد والعظام ومن سماء الدين الا طيور.
سقط الجميع في اختبارات غزة، واكاد اقول اننا نوشك ان ندخل الى عصر ما بعد الاديان والشرائع.
انها حقيقة مرة، ومن أراد ان ينظر لحجم هذا السقوط والخطر فلينظر الى الحرب العالمية المصغرة في الشرق الاوسط وتداعياتها لا على الخرائط السياسية بل على خلخلة القيم والضمير الانسانيز
القانون الدولي المتسلط على العالم بقوة الفيتو هو الآن على استعداد ان يضحي بملياري مسلم من اجل الحفاظ على الكيان الصهيوني. كذلك ما نصطلح عليه بداعش وشقيقاتها على استعداد ان تضحي بمصير امة كاملة في مقابل احتكارها السلطة والهيمنة على رقاب العباد والبلاد.
السؤال: كيف انتهى المشهد الانساني الى هذه الكارثة الفجيعة؟ ماذا يبقى من الدين ان لم يكن انسانيا؟ وماذا سيبقى من بقية الشرائع ان لم تكن إنسانية؟ كيف نقارب الاجابة بمنهجية موضوعية؟ علينا ان نرفع الستار عن احوال الانسانية في الغرب
وعن احوال هذه الانسانية عند المسلمين.
ماذا في الغرب؟ انني قلق على مستقبل الغرب. العقل الفكري الغربي المحكوم بفكرة التفوق العطائي ها هو الآن يستعيد بكل غرور ذهنية الاسترقاق والاستعمار من جديد. العقل الصناعي الغربي انتهى الى تأليه الآلة والذكاء المصنوع والعقل الاقتصادي الغربي انتهى الى تأليه الترف والمال والقوة بشهادة ما كتبه الفلاسفة الغربيون انفسهم.
سقوط الحضارة، الحضارة العمياء، بربرية الحضارة، سقوط الحداثة في عنف الايديولوجيات. تحرير العقلانية الغربية، اي جعل اللامعقول معقولا، نهاية عصر الانوار وبداية ارهاصات عصر التدمير الذاتي للحضارات، مآزق الأنسنة في الغرب أمام البحث، مأساة العلم الذي يجرد الانسان من انسانيته.
الغرب يعاني من مشكلتين: الفراغ والبحث عن المعنى. نحن امام حقيقتين صارختين بالمخاوف.
الاولى: تجيء الحضارات وتذهب ولا يبقى الا الهمش، واخشى ان تذهب الحضارة الانسانية ولا يبقى من آثارها إلا الهمش.
الثانية: نعيش في حالة هذيان وحمق امام ما اشار اليه الشيخ. لو كنت املك الاحصائيات عن المجاعة والفقر والامية والمرض والهجرة وحروب الفتن والحروب العبثية والحروب الاستباقيةز نحن الآن ويا للمفارقة الساخرة امام كل هذه الويلات، السؤال: أين موقف الفلسفة المعاصرة وأين موقف الدين من هذه الثوابت؟ الانسانية متجهة نحو الانتحار.
الغريب ان الاديان تريد مواجهة المشكلات الكبرى للعالم بذهنية بالتبشير والتبشير المضاد وان تغيير اسم المسيحي الى مسلم واسم المسلم الى مسيحي لن يحل مشكلات العالم.
الفاصلة الموضوعية بين الفلسفة والدين ان الفلسفة تطرح اسئلة حول الواقع. الفلسفة فشلت والدين فشل في انقاذ الحضارة
الفلسفة المعاصرة قرآت الازمة الحضارية على نحو تجزيئي. لم تنظر الى الانسانية كوحدة مترابطة، اما الدين فوقعنا في مشكلتين: نريد انقاذ الحضارة بفكر مذهبي، وبعضنا يريد استردادها تحت شعار: استنقاذ الخلافة، فلم ينجح الاتجاهان.
السؤال الآن: ماذا عن احوال الانسانية عند المسلمين؟ اقولها بصراحة: سقطت الانسانية في تاريخنا مع دماء كربلاء، سقطت النزعة الانسانية في تاريخنا مع استشهاد الامام الحسن عليه السلام. سقطت النزعة الانسانية في غزة وسقطت في تاريخنا منذ اللحظة التي تركنا فيه نظام الشورى ومنذ اللحظة التي خلقنا فيها حركات التطر ف والعنف والارهاب الذي يقود العالم الاسلامي اليوم اكبر بكثير مما نتصور. سقطت النزعة الانسانية منذ اللحظة التي اخترعنا فيها نصوص الكراهية مثل حديث الفرقة الناجية وفتاوي تبيح تدمير الكنائس وخطف الرهبان.
كلمة للتاريخ: أين الحضارة الاسلامية الانسانية؟ بكلمة للتاريخ: هذه الحضارة الاسلامية الانسانية لم تكن من صناعة الحكام ولا من صناعة الانظمة على طول التاريخ. الذي صنع حضارتنا الاسلامية الانسانية هم العلماء، المفكرون، الفلاسفة، الأدباء. السؤال: ماذا فعلنا بأئمتنا الانسانيين؟ وماذا فعلنا بفلاسفتنا الانسانيين؟ الفلسفة الانسانية التي تأسست في القرن الرابع عشر في إيطاليا جاءت عبر ترجمة كتب الفلاسفة المسلمين كالكندي وابن سينا وابن رشد وابن عربي وابن الفارض.
بدأت من ايطاليا بارهاصات الفلسفة الانسانية، وانتشرت في اوروبا في القرن السادس عشر في عصر النهضة الفلسفة الانسانية طرحت في عصر النهضة مقابل ظاهرتين: الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت وفي مقابل استبدال الكنيسة في ما شتهر تحت عنوان: محاكم التفتيش.
نريد ان نكون قرآنيين: ان هذا القرآن من الفاتحة الى الناس هو من اجل الانسان.
لدي كتاب اثير حوله الجدل عندما كتبت عن حقوق الكافر في القرآن الكريم، ونريد ان نكون نبويين في انسانيتنا الرسالية.
بعضهم يروي عن رسول الله (ص): بعثت بين جاهليتين: اخراهما شر من الاولى.
النبي المؤسس لأنسنة الانسان. المشكلة اليوم هي أنسنة الانسان قبل ان تكون انسنة الدين.
قال النبي محمد (ص): “انما بعثت لاتمم مكارم الأخلاق”. ﴿وما ارسلناك الا رحمة للعالمين﴾. ﴿كلكم لآدم وآدم من تراب﴾. “الناس سواسية كأسنان المشط”. فقط في القرآن تسمع: من قتل نفسا بغير نفس.
نريد ان نكون انسانيين على نهج الامام علي عليه السلام: الناس صنفان: اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق.
قبل عقود كتبت عن دراسة عنوانها: انقاذ الحضارة بالرحمة، ثم كتبت عن انقاذ الحضارة بالعودة الى البداوة، ثم كتبت: دعوة الى جبهة اسلامية انسانية لانقاذ الحضارة.
الامام الخميني رحمه الله دعا لجعل يوم ولادة الامام المنتظر يوما للمستضعفين.
مشكلة العالم مشكلتان: العدل والاخلاق، لهذا سيملأ الإمام الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
اللهم اغفر لمن في الارض. اللهم انا نرغب اليك في دولة كريمة تعز بها الاسلام وأهله، واختم لنا بالغفران.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.



