الصحيفة السجادية فاعلية تعبدية في بناء الإنسان والمجتمع في المشروع الإلهي

 الاستاذ امير البصري

يشعر الإنسان (في الدعاء) مع الله إذا عاشه حقيقة.. بتوجه وصدق، أن روحه تحيى، تتسلل إليها بالضراعة فيوضات الرحمة، تنساب إلى نفسه روحا وطمأنينة ومعاني لا تصفها كلمات، لأنها من عالم الروح، فالدعاء روح الحياة وحياة الروح.

الدعاء هو الطريق إلى الله سبحانه ولا طريق مباشر له آخر، عندما يناجي العبد ربه، يجد نفسه قبل أي شيء آخر.. قدره، وزنه، قيمته، تتعرى على طاولة الحق، فليس ثمة ظلال وألوان ورتوش، الحقيقة كما هي، وما أجدى وأجدر أن نعرف حقيقة وقدر أنفسنا، قبل أن نعمى عن معرفة أنفسنا، فمن عرف نفسه حقا وصدقا فقد عرف ربه.

عندما لا ندعو الله، في عالمنا البشري القاسي والمتحجر أحيانا، عندئذ، من يرانا ومن يعتد بنا، ومن ذا يبالي بنا ؟ ما أهمية وقدرة الآخرين على فهمنا والإعتداد بنا وانتشالنا؟

إن ما نتوق إليه في ساحة الدعاء لا قبل للآخرين على فهمه وتحقيقه سوى الله سبحانه، والذي عنده نجد التجلي الحقيقي لأنفسنا وللوجود.

 قال سبحانه: ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما﴾.. فتلك معادلة الوجود الإنساني في حياة الإنسان على الأرض، معادلة الحق والباطل، فإما أن تتحقق صلة الإنسان بربه بالدعاء فيدخل دائرة الكشف والحقيقة، وإما أن يعرض عن الصلة بربه فيكون في عداد الغافلين أو الكاذبين الذين خانوا أمانة العبودية والخلافة، والتي أقروا بها في عالم الخلق الأول وأقرتها واستيقنتها أنفسهم فتلزمهم حينئذ عقوبة الله، وكان العذاب حاقا بهم ولازما عليهم ﴿فقد كذبتم فسوف يكون لزاما﴾.

هذه الصلة والعلاقة وانكشافاتها بالدعاء بين العبد وربه ذاتية بنيوية في الوجود الإنساني، تتجلى عنده وتعبر عن طبيعتها بـ(الدعاء) باختيارة وفقا لإرادته الحرة بالجعل الإلهي ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾. والدعاء يمثل الفعل والمظهر الكاشف للتعبير عن هذه العبودية والهداية للخير. وانعدامه في حياة الإنسان يمثل الكفر.. ولا طريق ثالث بينهما.

هذه العبودية الحرة متحققة في كينونة الإنسان وحركته ووعيه، لأنها خاضعة وداخلة في قوانين وسنن الخلق والجعل الإلهي، فالروح الحالة في الإنسان وسبب حياة الإنسان وحركته ووعيه، هي من أمر الله وسره مأمورة لتحيى ولا تتلوث بالتقوى منذ الخلق الإول ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾.

والدعاء يسمو بالإنسان ويرتفع به من مقام الحياة الغريزية الحيوانية إلى مقام الإنسانية المتألقة والمتحققة بالعبودية الحقيقية لله سبحانه بالتقوى، التقوى التي لم ولن تحصل وتتحقق وتعبر عن حقيقتها من دون صلة بالله سبحانه شعورا ووعيا وفاعلية تعبدية يستشعرها بالدعاء والمناجاة وفيوضات الرحمة النازلة.. في ثنايا وظلال الكلمات ودلالاتها.

في تراث مدرسة أهل البيت عليهم السلام في الدعاء وعندهم فحسب، سيجد المؤمنون.. الطريق سالكا زاخرا بالوعي متألقا فكرا ولغة وبلاغة وبيانا.. كيف يدعونه، ويغترفون منه، وبأية أفكار و خطاب وأسلوب وبيان وفي كل مناسبة وحال وظرف يمرون به، يجدون بالدعاء انكشافا وفهما وشرحا ربانيا له ووعيا في تفاصيله.

فلسفة الدعاء في الإسلام أن تبقى جذوة الإيمان والعبودية والرضا بقدر الله وقضائه مشتعلة في الروح والنفس والعقل في كل حال وعلى أي حال.. تمد المؤمنين بالقوة في المواجهة والمقاومة والثورة والإستشهاد.. كما تمدهم بالقوة بالله في مواجهة الانكسار والخسارة أمام الطاغوت والظالمين.

 المؤمنون يعيشون الدعاء وبالدعاء، بتوق وشوق لله تعالى ولقائه وهم محاصرون في الأرض يجاهدون وسيف السلطان والطاغوت يحصدهم في كربلاء في تراجيديتها ومأساتها الآنية والخالدة بالإنتصار التاريخي المتجدد الذي كتبه الله لها على كل طواغيت العصور والأزمان.

وها هو إبن حفيد نبي الإسلام والرسالة وسيد شهداء هذه الأمة.. الإمام زين العابدين وسيد الساجدين، يؤسس منهجا للثورة يسلك فيه سبيلا آخر.. ثورة أخرى في الفكر والعقل والروح.. أسلوب مقاومة جديد وبناء جديد، بالدعاء مع الله سيشرح ويبين ويفصل في مبادئه وأخلاقياته وتشريعاته ومقاصده للأجيال وعلى مر العصور وتكرر الأزمان لتدرك البشرية.. معاني وغايات الدين وحقيقته ووظيفته التي تعرضت و تتعرض للإنحراف السياسي منذ عصر الرسالة الأولى وحتى اليوم لغايات الحاكميه والسيطرة وكما يفعلون اليوم.

كما أنها تتعرض للإنحراف الأخلاقي والقيمي والمادي للحضارة الغربية المهيمنة اليوم بتقنياتها الحديثة.

في قراءتنا للصحيفة السجادية نقف أمام إحدى معجزات أهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ويكفي هذا النص المعجز الموسوم بزبور آل محمد أن يدل على عظمة وأحقية إمامة وولاية أهل هذا البيت، آل محمد في كونهم سادة وقادة وعلماء هذه الأمة ومعلميها ومربيها الحقيقيين.

وذلك لأن أدعية هذا السفر بإعجازها اللغوي البياني ومعانيها الدقيقة المحيطة بالنفس الإنسانية وتجسيداتها لحركة هذه النفس باتجاه الشيطان وإغواءاته، أو صلاحها وهديها نحو الله سبحانه وتعلقها به في آمالها وخوفها وتطلعاتها ورؤيتها للأشياء والكون والعلاقات، رؤية إلهية ربانية، وعلاجية تربوية وفق الهدي القرآني العظيم… هذه الأدعية لا يستطيع قولها وانتاجها أو نظيرا لها، أي كان من البشر، حتى لو أحاط بعلوم الدنيا، وامتلك أكبر القدرات البلاغية والبيانية، حتى لو كان من أساطين الكلام والفلسفة والشعر كالفردوسي والشيرازي من فارس، والمعري والمتنبي من العرب، فإن أحدا منهم لا يستطيع أن يخاطب الله ويتضرع إليه بمثل كلمات زين العابدين وسيد الساجدين.. أو بكلمات نظيرات لها.. أبدا..

وذلك لأن الخطاب مع الله، والكلام مع الله، في أي شأن ووجهة كان، في كل قضايا الإنسان، كما غطتها وعالجتها الصحيفة السجادية.. ذو شأن خاص معجز، لأنه يصدر من إنسان إلهي رباني ذي روح إنسانية خالصة العبودية له سبحانه ومحيطة بشريعته ودينه وما أولاها من علوم غيبه، ولما ينطوي عليه الدعاء الصادر منهم والكلام مع الله من أسرار ودلالات خاصة لا يستطيعها أي من البشر. نصح الإمام الصادق عليه السلام من كتب دعاء عرضه عليه.. أن يدع ما كتبه ويأخذ أدعيته منهم.

ولذلك أيضا أي من علماء الإمامية وفطاحلهم قديما وحديثا لم يقرب هذا المجال بإنشاء الأدعية.. ولأن مثل أدعية الصحيفة السجادية ودعاء كميل للإمام علي عليه السلام ودعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام، ذات المعاني التوحيدية الذائبة فيها أرواحهم عبودية وحبا، والمستقاة من نمير علومهم الربانية الغيبية، وبيان لغتهم وبلاغتهم الراقية الجميلة، لم ولن يرقى إليها أي كلام صادر من غيرهم مطلقا.

وبالتالي لا بد من الأقرار برؤية هذه الحقيقة الساطعة سطوع الشمس في رابعة النهار – لو سلمت النفوس – وكما أسلفنا، أن الصحيفة السجادية والأدعية المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام تمثل الدليل على كونهم أئمة هذه الأمة وربانيها وقادتها، قال تعالى: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون﴾.

كتب آيه الله المرعشي النجفي (رحمه الله) في مقدمة الصحيفة (طبعة الآخوندي)، قال: (أرسلت نسخة من الصحيفة السجادية المباركة إلى العلامة المعاصر الشيخ الجوهري صاحب تفسير الطنطاوي (الجواهر في تفسير القرآن) المعروف سنة ١٣٥٣ هجرية ليطلع عليها، فشكرني على تلك الهدية الثمينة الرفيعة، وأثنى ثناء بالغا، إلى أن قال: قال (الطنطاوي): (من سوء حظنا أننا إلى الآن لم نظفر بهذا الأثر القيم الخالد من تراث النبي وأهل بيته، وأنا كلما أنظر فيها، أرى أنها فوق كلام المخلوق و دون كلام الخالق).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى