
الحسين (ع) أبا الاحرار.. أبا الشهداء… الوعد الصادق لماذا؟
الدكتور خالد الشفي
الحسين(ع) مشروع كتب بدمع العين ودم القلب.
تغنت به الأرواح.. نسيما عطرا ودافعا لاحياء الضمير والوجدان.
الحسين قصة شهامة.. رجولة وبطولة لم تكتب بالعقل المحدود… لان المشروع الرباني اكبر منه.. بل ان العقل، وان كان دليلا عليه، يقف عاجزا ان يفسر ويحلل لماذا خرج الحسين.. وهل حقا ما يقول؟ إني لم اخرج اشرا… ولابطرا ولامفسدا.. وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي…
ألم يدرك الحسين ان النفاق قد استشرى في قلوب الناس وعقولهم… ألم يخبره النبي (ص) انه شهيد لا محالة.. (نبؤة لابد من تصديقها).
ماذا أراد الحسين في وقفته.. واستشهاد عائلته؟
هل هي دعوى مثاليه.. تهور..ام تعبيرعن ايمان ليس في محله..لاعند الناس آنذاك ولا في بقعته…ام هو الشعور بالغبن والحيف لضياع السلطة؟.
ألا يعرف ما أراد يزيد ومعاوية واتباعهم.. ام هو خطأ استراتيجي وجهل بالسياسة.. نتيجته الفشل والخذلان.. دع عنك العصمة ولو لحظة، أي انسان متوسط الذكاء يقول انها معركة خاسرة ولاريب..
هذا هو العقل ومدى ادراكه.. وهذه العقلانية وحدودها الضيقة أمام رحاب الايمان.. رحاب الباري عز وجل انها الرسالة.. الحبل الممدود من السماء الى الارض.
إنها حركة الروح.. عندما تمتطي الجسد فانها تلغي العقل (من بعد وضوح المعنى) وقابليته المحدوده.. فان تحركت الروح.. خضع لها القلب.. وأتمرت بامرها الجوارح.. انه تمرد وتألق الروح على نوازع دنيوية رخيصة..
إنها لحظة الانطلاق الى عالم اللانهاية.. الطريق الى عالم الملكوت.. تحسه الروح وتسعى اليه القلوب.. وتكل عن معرفته العقول بل تحجم عنه وتتراجع.. بل تحبسه الاجسام وحاجاتها..
اذا لا سبيل ولا حيلة في الفهم والتحليل والتصور في هذا الطريق.. طريق الخلاص الى الجنة.. حيث لا عين رأت ولا خطر على بال!!
هنا يكون المخاطب القلب والسائق الروح والوقود الايمان.. حين تذوب النفس في بحر الايمان.. فلا شك في وجهة الطريق… ولا تردد في تحديد الاتجاه.. لا تعثر.. اندماج بين المخلوق وذوبانه في نور الله.. نور على نور …
احياء للمشروع الرباني… فتأمل!.
ربح البيع يا أبا يحيا.. ربح البيع يا أبا يحيا قالها نبي الامة مستقبلا صهيب الرومي في هجرته الى المدينة.. اول محطة في المسير الى الباري .. تخلى صهيب (رض)عن كل شئ من اجل الرفيق.. وأي رفيق.. وأي طريق.
ربحت التجارة يابا الدحداح ربحت واثمرت.. عرفها ابا الدحداح (رض) واطمأن لها.. حتى ولى مسرعا مهنئا زوجته.. بهذه الصفقة.
هكذا كان فعل النبي بأصحابه، فكيف باهل بيته وهو المعلم الاول!!، يوقد فيهم شمعة الإيمان فتتحرك القلوب.. وتستلم الروح القيادة.. وتنطلق المشاعر لا تلوي على شئ الا اللقاء وبأسرع وقت.. الكل يصدح بكل جوارحه. لبيك اللهم لبيك دعاء يردد حول الكعبة تجديدا للميثاق.. واعلان النفير.. تذكير.. مرة كل عام.. يصدح ويذكر الضمائر ان الحياة مسيرة.. فيها محطات توقف وتزود.. نحو عنوان ثابت ومصير محتوم لامفر منه.
فكيف بأبي عبدالله الحسين (ع). هذا هو السر الذي خفي عن العقول قبل العيون.. ولكنه واضح جلي لاصحاب البصيرة.. والقلوب المبصرة.. واهل الذهون.
الذين يرون بقلوبهم.. لتروي ارواحهم.. كي تتألق وتستبشر بهذا البيع وهذا الشراء… نعم البضاعة ونعم المشتري ..صفقة لا شك رابحة. ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾. ﴿ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنه يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا على الله حقا في التوراة والانجيل والقران ومن اوفى بعهده من الله… فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ذلك هو الفوز العظيم﴾.
اليس الحياة الا هجرة ومحطات.. مواقف ووقفات.. شهادة.. اثر يبقى واخر يمحى..شهادات. لقد باع الحسين واشترى مرضاة خالقه. اشترى نفسه وباع جسده.. حتى يقوى على الهجرة.. انها الزاد.. وخير الزاد التقوى.. وقود الروح الى الطريق!
وكيف لا وهو سيد شباب أهل الجنة منزلة لا يحضى بها الا ذو حظ عظيم.
اصطفاء رباني عبر الارحام الطاهرة.. من بعد تدريب وتمحيص.. انه مفخرة للباري على حسن صنيعه.. يتباهى به امام الملائكة.. صنع الله الذي اتقن كل شئ.
واذ قال ربك للملائكة اسجدوا لادم… وعندما ترددوا… ثم اذعنوا.. قال لهم الباري؛ ﴿الم اقل لكم اني اعلم ما لا تعلمون!!﴾.
انه جمال الكمال.. وكمال الجمال وتأكيد لموعد اللقاء.. الوعد الصادق.. في مقعد صدق عند مليك مقتدر مثال على نجاح الاطروحة الربانية.. خلافة الانسان على الارض.
أليست هذه العصمة وان لم تكن عصمة فما هي العصمة إذن؟..فتأمل أيها الحائر.. وحدد الموقف. لا تطيل الوقوف والانتظار في المحطة.. إركب الراحلة وامضي مع القافلة فانها ما زالت بالانتظار.. تنتظر من يمتطيها.. الى العلا.. الى عليين.. الى مقعد صدق عند مليكها.. وبارئها.
﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاده الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾.
انها العقيدة طاقة الامة التي لاتنضب.. غذاء الروح الزاكية وضميرها الحي الذي لا يموت..
تموت الامم وتزول.. تموت الدول وتمحى من الوجود.. وتبقى العروش خاوية.. والمساكن بالية والاجساد خاوية…أما العقيدة فإنها تسري في الاجيال مسرى الدم في العروق لترسم الملاحم البطولية بالوانها الزاهية في الوقت الملائم والمكان المناسب.. لتوقد نار الشوق الى الباري بعد ان كادت جمرة الايمان ان تنطفئ.. لتخرج الروح من سجن الاجساد وتطلق الانسان حرا في طهارته ليبلغ غاية السمو والرفعة..في كماله.
﴿يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه﴾.
طوبى لمن اناب.. وطاب حسن اللقاء .
لذا انطلق الشعراء والادباء ليعبروا عن هذه الملحمة وهذا السمو في العطاء كتبوا من وحي وجدانهم وما تملي عليهم قلوبهم وهي تمثل قصة الفداء.. لترسم للضمائر الصافية اروع الصور.
ولو فكروا (الادباء) بعقولهم لما كان لنا هذا الثراء من العطاء الادبي.. انه سقيا الارواح.. تنمو به الضمائر وتترعر.. انها ارواح الادباء تنادي على ارواح الشهداء اذ لا واسطة.. ولاحيلة انجع .
كلام ارواح الادباء يخاطب ارواح الشهداء عجت به القلوب وتدفق الدم صارخا ليعطيها الطاقة القصوى في الوصف والتعبير..
انه التواصل الروحي في ارقى درجاته واسمى حالاته.. كان وما زال قبل كل الاختراعات العلمية الحديثة والاختزال الرقمي.. والذكاء الاصطناعي الخالي من الحس والبيان.. انه الذكاء الطبيعي.. من نبع الضمير والوجدان.
فيا أيها المذبوح من اوداجه بشط فرات… كربلا ابشر.. ربحت البيع ..وطاب مثواك.. والشرا
ويا أيها المرفوع رأسه عاليا على القنا هلا نظرت لصنع البغاة ومن افترى.
أسقيت الفلاة دما زاكيا طاهرا.. يروي الأنام.. ترجوا الحياة لهم به والسؤددا.
لولاك ما بقي دين أحمد
في الظلام انت مصباح.. ونور في السرى.
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين ورحمة الله وبركاته.
السلام على كل شهداء العقيدة مهما كانت مذاهبهم.. صدقوا الحياة.. باعوا(اشتروا) أجسامهم وعلقوها على اعواد المشانق.. لتنطلق ارواحهم من قيدها… وضيقها.. ليعانقوا السماء والملكوت … بعدما عرفوا ان الانسان جسم بالي به روح أسمى هي الباقية.. انها المعاني السامية..
امتدوا بفكرهم عبر الاجيال.. هم معنا في كل زمن… نقرأهم ونقرأ لهم.. قدوة الانسانية وشهادة على التاريخ والضمير الصافي عبر تاريخ البشرية.. وبوصلتها نحو الكمال الالهي…
بداية الرحلة الى عالم لخلود… ونبذ الجمود والركود.. والتدني بالشهوات. ولعمري هذا هو المعنى الحقيقي للشهادة..
انها السمو والتسامي في الدنيا قبل الاخرة..
انه سباق مع الزمن.. فانطلقوا.. وغلبوا حيث لا زمن.. خلود ما اروعه… طوبى لهم وحسن مآب.
أيها الجلاد أما زلت خائفا عن وجهك اكشف.. فاني لا شك راحل واشدد على حبل كل مشنقة سوف ترى
جسما نحيلا هامدا… بات فيها معلق.
سأرد جميلك هذا.. يوما (في غير دنيانا).. لانك زائل مبلس.. متحير. فأني اليوم طليق.. اعانق السماء، انظر اليك فانت الميت.. العدم.
شكرا لمن اطلق الروح من سجنها، كاني اليوم طيرا الى العلياء محلق.
اذا كانت النفوس كبارا في مرادها، تنحت الأجسام عنها.. تودع.. تشدو وتكبر.
الحرية مذاق حلو… صعب مناله، لمن زهد الحياة… وفاز بالقيم.
أبا الشهداء انت للاحرار سيد وكل حر اراد نزع القيد… اليك متطلع، ملائكة الرحمن لكم سجدت… واذعنت.. وهللت.. للرحمن المليك.. المقتدر.



