الثَّورَةُ الحُسَيْنِيَّةُ وفَضاءاتُ الحُرِّيَّةِ المَفْتُوحَةُ

الثَّورَةُ الحُسَيْنِيَّةُ وفَضاءاتُ الحُرِّيَّةِ المَفْتُوحَةُ

- ‎فيفكر إسلامي
104
0

الشيخ زعيم الخيراللهzaeem1

التَطَلُّعُ الى الحريةِ فِطْرَةٌ في أَعماقِ الكائِنِ الحَيِّ ؛ فالطائِرُ المَسْجُونُ في قَفَصٍ يَفِرُّ من قَفَصِهِ إنْ سَنَحَتْ لَهُ فُرْصَةٌ، والحَيْواناتُ الوَحْشِيَّةُ تَفِرُّ من أَقْفاصِها في حدائِقِ الحيوان الى عالَمٍ أَرحَب عِنْدَ حُصولِ أدنى فرصةٍ. كُلُّ ذلكَ يُشِيرُ بِوضوحٍ الى أَنَّ الحُرِّيَّةَ مَغْروسَةٌ في كَيْنُونَةِ المَوجودِ الحَيِّ.

أَمّا اذا جِئنا الى الكائِنِ الانسانِيِّ ، فَسَنَجِد أَنَّ تَأريخَ هذا الكائنِ سِلْسَلَةً من الانتفاضات والثورات في وجهِ الاستبدادِ والطُغْيانِ . الانسانُ مخلوقٌ لايُطيقُ القيودَ المفروضةَ والاغلالَ التي تُكَبِّلُ حُرِّيَّتَهُ . الحُرِّيَّةُ بالنِسبَةِ للأنسانِ كالماء والهواء لاغنى عنهما لحياةِ الكائنِ الحيِّ.

وَمُهمةُ الرَّسولِ (ص) كانت رفعَ القيودِ والاغلالِ عن الناس ؛ ليعيشوا أحراراً . يقول الله تعالى في الاشارة الى هذهِ المهمةِ العظيمةِ:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). الاعراف: الاية: (157).

قَدْ يَفْهَمُ البَعْضُ مِنَ الحُرِّيَّةِ أنْ يَفْعَلَ الانسانُ مايشاءُ دونَ قيودٍ أوحُدودٍ أوسُدودٍ ، وعقباتٍ وموانِعَ . وهذه ليستْ حُرِّيَّةً، هذه نَفْيُ للحُرِّيَّةِ. هذه هي الفُوضى بِعَيْنِها.

لايُمْكِنُ أنْ تُوجَدَ حُرِّيَّةٌ بدون ضوابطَ وقيود وحدود؛ لاننا لسنا وجوداتٍ تعيشُ في فراغٍ وفضاءٍ مفتوحٍ لايحتوي على شيء.

 

مَجالاتُ الحُرِّيَّةِ

الحُرِّيَّةُ لاتَتَحَرَكُ في مَجالٍ واحدٍ ، بلْ لها مَجالاتٌ مُتَعَدِدَةٌ ، وَآفاقٌ كثيرةٌ ، وَفَضاءاتٌ واسعَةٌ ، فهناكَ الحُرِّيَّةُ في المجالِ الفَلْسَفِيِّ والكَلامِيِّ فيما عُرِفَ ” بالجَبْرِ والاختيارِ”، فقد بحَثَ الفَلاسِفَةُ والمتكلمونَ هذه المسالَةَ باسهابٍ واختلفوا فيها، فبعضٌ قالَ بالجبر، وبعضٌ قال بالاختيار ، وبعضٌ قالَ بالكَسْبِ والاماميّةٌ قالوا تبعاً لامامهم الصادق (ع): (لاجبرَ ولاتفويضَ بلْ أمْرٌ بينَ أمرينِ). وهناك الحُرِّيَّةُ في المجالِ المدَنِيِّ، اي: مجال التعامل في الحياة المدنيّةِ؛ فالانسانُ حرٌ في انْ يبيعَ ويَشْتَري، ويتزوج، ويتملك، ويرهن …الخ.

حتى الرقيق الذي يُتَهمُ الاسلامُ باهدارِ آدَمِيَّتَهُ في حين أن الاسلامَ لم يكن في تشريعاتهِ الاستعباد وانما وجد في تشريعاتهِ العتق وتحرير العبيد. الاسلامُ لم يُنشئ العبوديةَ ؛ بل كانت العبوديةُ واقعاً دولياً معمولاً به، والحياة تقوم عليه.

الاسلام اعطى للعبد هامشاً من الحريّةِ من خلال المكاتبة مع سيدهِ بدفع مبلغٍ للسيد على ان يتحرر، وفي هذه الفترة بامكانه ان يمارس حريته المدنية ويعمل حتى اذا حصل على هذا المبلغ كسب حريتهُ. وهناك تشريع التدبير اذا قال السيد لعبده: (انت حرٌ دبر وفاتي). وام الولد فتح امامها مجال الحريّة اذا حملت من سيدها ووضعت وليدها فانها تتحرر باعتبارها ام ولد، والتشريع خصص مورداً من ميزانية الدولة في باب الزكاة يصرف في تحرير العبيد. والاسلامُ لم يسمحْ بضربِ العبدِ والتجاوزِ عليه حتى روي عن رسول الله (ص) كما جاء في صحيح مسلم: (من لطمَ عبدَهُ فكفارتُهُ أن يَعتِقَهُ) .

وهناك مجالٌ وفضاءٌ آخر للحرية ، وهو التحرر من استعباد الطغاة والمستبدين الذينَ صادروا حريةَ الانسانِ ، وسلبوا ارادتهُ.

وهناك مجالٌ اخر للحريةِ وهو ان يتحررَعقلُ الانسان وارادتُهُ ونفسهُ من التعلقِ في الدنيا ، الذي هو رأس كل خطيئةٍ .

 

الامامُ الحسين وَفَتحُ فضاءاتِ الحُرِّيَّةِ

الامامُ الحُسينُ عليه السلامُ الذي واجَهَ الدولةَ الأُمَوِّيَّةَ وهي في عنفوانها وقوتها وجيوشها وغطرستها ، فتَحَ بنهضتَهِ المُباركةِ كُلَّ فضاءاتِ الحُريّةِ بكل مجالاتها؛ ففي المجالِ الفلسفيِّ والكلاميِّ للحريّةِ، كانت الدولةُ الامويّةُ تتبنى نظريةَ الجبر، وانَّ الانسانَ كائنٌ مجبورٌ غير قادر على تغيير مصيره وتحديد مستقبله؛ وانَّ الحاكم قدرٌ الهي لايستطيع الانسانُ تغييره. وفي المجال الفقهي كانت هناك نظرية (امامة الغالب) الذي يجب على الامة طاعتهُ وبيعَتَهُ، ووضعت اجاديث كثيرة تشرعن الخنوع والرضا بالظلم ، وهناك عبودية الانسان للدنيا التي اشار اليها الامامُ الحُسَيْنُ عليه السلام:

(انَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ‏ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ). بعد الفتوحات انفتح الناس على الدنيا وانكبوا عليها فملكوا الاراضي والعقارات والقصور والعبيد والاماء؛ حتى جعلتهم الدنيا عبيداً، وأفقدتهم حريتهم ، كل ماجرى من كوارث على الامة بسبب هذه العبودية . الامام الحسين عليه بهذه التضحية الفريدة حرر ارادة الامة من كل مجالات الاستعباد التي كانت ترسف فيها . بعد الثورة الحسينية سقطت مقولة الجبر وان الحاكم قدر الهي لايمكن الخلاص منه، والتمرد عليه تمرد في وجه القدر الالهي ، وسقطت مقولة (امامة الغالب) التي روجَ لها  عبدالله بن عمر: (نحن مع من غلب)، وحُررت الامة من عبوديتها للدنيا التي جعلتها العوبةً بيد يزيد، وتحركت بجيوشها لقتل ابن رسول الله (ص) ، وسبي نسائه، وذبح اطفاله على هذه الصوره الكالحة القبيحة البشعة التي لم يعرف التاريخ لها نظيراً في البشاعة. هذه الارادة المكبلة المستعبدة تحررت بعد استشهاد الامام الحسين عليه السلام، وبدات الثورات المتلاحقة، كثورة التوابين وثورة المختار وثورة اهل المدينة، وفُتحت كل فضاءات الحرية امامَ هذه الامة ببركات دماء الامام الحسين الفاتح واهل بيته واصحابه وسبي نسائه، الى ان طويت صفحةُ الحكم السفياني لبني امية وتلاه الحكم المرواني والعباسي ، ومازالت صرخة الامام الحسين عليه السلام مستمرة في وجه الطغيان.

الخطابُ الحسينيُّ تضمنَ مفردات الحرية كما في قوله عليه السلام :(إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم)، وقوله (ع): (الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم ……)، وقوله (ع) للحر: (والله! ما أخطأت أمك إذ سمتك حرا، فأنت والله! حر في الدنيا وسعيد في الآخرة)، وقوله عليه السلام: (وَاللَهِ لاَ أُعْطِيكُمْ بِيَدِي‌ إعْطَاءَ الذَّلِيلِ؛ وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرَارَ الْعَبِيدِ). هذا هو الخطاب الحسيني مفعم بكلمات الحرية، وكات تحرير الامة وارادتها من براثنِ الطغيانِ هدفاً من اهدافِ نهضتهِ عليه السلام.

Facebook Comments

You may also like

استهداف شخصية النبي الأكرم (ص): الأهداف والتداعيات والموقف المطلوب

(( بـرنـامــج الأبـــرار )) قال الله تعالى: {وَمَا