مشاهد من سيرة الإمام المجتبى (ع) بعد وفاة رسول الله (ص)

مشاهد من سيرة الإمام المجتبى (ع) بعد وفاة رسول الله (ص)

- ‎فينشاطات المؤسسة
27
0

كلمة القيت في مؤسسة الابرار الاسلامية عبر العالم الافتراضي تطبي زووم بتاريخ 24 سبتمبر 2020Screenshot 2020-09-24 at 22.09.06

الشيخ علي حسن غلوم علي

هذه المقالة تتناول مشاهد من سيرة الإمام الزكي الحسن المجتبى (ع) بعد رحيل رسول الله (ص) وبدء مرحلة جديدة من حياته وهو في عمر الطفولة، فبلحاظ مولد الإمام الحسن (ع) في الشهر التاسع من السنة الثالثة للهجرة، ووفاة النبي في نهاية الشهر الثاني من السنة الحادية عشرة، لذا فإن الإمام عُمر الإمام (ع) في بداية المرحلة التي نريد الحديث عنها كان أقل من ثمان سنوات ببضعة أشهر.

ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى فصلين، الأول تبدأ مع رحيل النبي (ص) سنة 11 هـ وتتوقف عند مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 هـ، والفصل الثاني يبدأ من حين اجتماع الناس على أمير المؤمنين ليكون الحاكم والخليفة الذي يُخرجهم من المأزق الكبير الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية وبلغت ذروته بالثورة على الخليفة وقتله.

والمشكلة في الفصل الأول هي ندرة النصوص التي تسلط الضوء على مشاهد من سيرة الإمام المجتبى (ع)، تارة بلحاظ صغر سنه آنذاك، وأخرى بلحاظ أن المؤرخين المسلمين – بصورة إجمالية – كانوا يعتنون بسيرة الحكام والولاة والحروب أكثر من عنايتهم بالسيرة الاجتماعية والثقافية والعلمية والروحية للمجتمعات المسلمة، أو بالأفراد ممن كانوا يمتازون – بلحاظ أو أكثر – في أشخاصهم وأدوارهم في المجتمع، على الرغم من أن النبي (ص) قد بيّن في أكثر من مناسبة وبأكثر من عبارة ضرورة الاعتناء بسبطيه والالتفاف حولهما والتمسك بهديهما، إما بدلالة مباشرة أو التزامية، من قبيل التعبير بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وأنهما منه وهو منهما، وأنهما ريحانتاه، وغير ذلك.

والذي يؤكد ما سبق، أن الروايات حول مواقف وكلمات الإمام الحسن (ع) يزداد عددها بشكل كبير جداً في الفترة التي استلم فيها الإمام علي (ع) الحكم إلى نهاية صلح الإمام الحسن مع معاوية، ثم تعود معالم سيرتِه للغموض من جديد لفترة تربو على عشر سنوات إلى ما له علاقة باستشهاده (ع)، وهي الفترة التي فقد فيها عنوان الحاكم والخليفة.

ويمكننا أن نضيف عاملاً آخر إلى ما سبق، وهو المنهج الذي خطه معاوية بن أبي سفيان وسار عليه الأمويون من بعده، بل والعباسيون أيضاً، بمنع ذكر فضائل أمير المؤمنين (ع) وتجريم ذلك، بما جرّ بالتالي إلى مقاطعة (ثقافية ومعرفية) بحق آل علي، وعلى رأسهم السبطان (ع).

ومن هنا، لن نستطيع أن نقدم للقاريء الكريم صورة متكاملة عن سيرة الإمام (ع) في هذه الفترة التي أكتب فيها، والتي تبدأ من بعد وفاة رسول الله (ص) وحتى مقتل الخليفة عثمان، بل هي مجرد إضاءات سريعة ومشاهد نضعها للمراجعة والتحقيق، وقد لا نصل أحياناً إلى رأي قاطع بصحتها.

المشهد الأول:

لعل أوّل مشهد لافت يطالعنا في سيرته بعد ارتحال رسول الله (ص) هو ما روي في الصفحة 26 من الجزء6 من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي كالتالي: (عن الشعبى ، قال : قام الحسن بن على عليه السلام إلى أبى بكر وهو يخطب على المنبر فقال له : انزل عن منبر أبي ، فقال أبو بكر: صدقت، والله إنه لمنبر أبيك) أي النبي (لا منبر أبي. فبعث عليٌّ إلى أبي بكر: إنه غلام حدث، وإنا لم نأمره) أي لا تؤاخذه على ما بدر منه لما في كلام الحسن من شدة (فقال أبو بكر: صدقت، إنا لم نتهمْك).

أما في كتاب الصواعق المحرِقة لابن حجر الهيتمي صفحة 234 ففي النص إضافة وألفاظ أخرى، والرواية كالتالي: (أخرج الدارقطني أن الحسن جاء لأبي بكر رضي الله عنهما وهو على منبر رسول الله فقال: انزل عن مجلس أبي. فقال: صدقت، والله إنه لمجلس أبيك. ثم أخذه وأجلسه في حجره وبكى. فقال علي رضي الله عنه: أما والله ما كان عن رأيي. فقال: صدقت، والله ما اتهمتُك). وهناك مصادر أخرى للرواية عند السنة والشيعة.

وقد يستبعد البعض أن تكون هذه الحادثة في بداية خلافة أبي بكر، ولا في الستة أشهر الأولى بعد وفاة النبي، لتغيّر موقف الإمام علي من الخلافة قال اليعقوبي في الصفحة 126 من الجزء الثاني من تاريخه : (ولم يبايع عليّ إلّا بعد ستّة أشهر . وقيل : أربعين يوماً) وفي قول ثالث بعد وفاة فاطمة (ع)، وربط البعض ذلك بحروب الردة.

ولكن إن صحت الرواية حول هذا الموقف للحسن، فمن الممكن أن تكون قبل المبايعة أيضاً، فالموقف متوافق مع أخلاق علي (ع) الذي عهدنا منه التعالي على جراحه حتى لو كان الموقف قريب عهد بأحداث السقيفة.

وعلى كل حال، فإن هذا الموقف يعكس مدى الألم النفسي الذي كان يعيشه الحسن، مفتقداً جده ومسترجعاً الذكريات، حيث تكرر منه (ص) حمل سبطه على المنبر في أكثر من مشهد. كما أن موقفه يأتي انعكاساً أيضاً للوضع المأزوم الناشيء عن أحداث السقيفة، والاستئثار بالحُكم من قبل الخليفة أبي بكر، بينما كان من المفترض أن يكون أبوه علي (ع) هو الجالس على المنبر بحسب وصية النبي وتوجيهاته.

بالطبع الملاحظ أن راويي الخبر وهما عبدالرحمن الأصبهاني والشعبي من التابعين، ولم يشهدا الحدث، ولم يذكرا أنهما رويا الخبر عن الحسن نفسه. ولكن، هناك رواية أخرى جاءت في صفحة 332 من الجزء الثاني من كتاب الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، وهي تذكر موقفاً مشابهاً للحسين مع الخليفة عمر، وهي كالتالي: (وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبيد بن حنين حدثني الحسين بن علي قال: أتيت عمر وهو يخطب على المنبر فصعدت إليه فقلت: انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك فقال عمر: لم يكن لأبي منبر. وأخذني فأجلسني معه أقلّب حصىً بيديّ، فلما نزل انطلق بي إلى منزله فقال لي: مَن علّمك؟ قلت: والله ما علمني أحد. قال: بأبي، لو جَعلت تغشانا) ثم يذكر كيف أنه جاءه بعد أيام، فوجده مشغولاً، فلم يدخل، ثم عرف عمر ما جرى فقال: (أنت أحق بالإذن من ابن عمر، فإنما أنبت ما ترى في رؤوسنا: الله، ثم أنتم).

وهي بحسب الدارقطني صحيحة، وهي مروية عن الحسين (ع) نفسه، كما ورويت أيضاً عن عبدالله بن مالك وهو صحابي بألفاظ أخرى وعبر عنها بأنها رواية حسنة.

ورواها الدارقطني في صفحة 34 من كتابه (فضائل الصحابة) بالسند عن الإمام الصادق عن أبيه عن جده قال: (قال الحسين بن علي لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وهو على المنبر: انزل عن منبر أبي، فقال: منبر أبيك والله لا منبر أبي، قال علي: والله ما أمرت بذلك، فقال عمر: والله ما اتهمناك).

ولما سبق، فأنا أميل إلى أن الموقف كان من الإمام الحسين (ع) مع الخليفة عمر، وليس الحسن (ع) مع أبي بكر، وإن اعتبر البعض كابن حجر الهيتمي في صواعقه أن الأمر قد تكرر، فتارة من الحسن مع أبي بكر، وتارة من الحسين مع عمر.

المشهد الثاني:

ومن المشاهد الأولى أيضاً في هذه الفترة ما له علاقة باحتضار ووفاة مولاتنا الزهراء (ع) ودفنها مما هو منقول في بعض المصادر. مثلاً تطالعنا هذه الرواية في صفحة 134 من الجزء43 من بحار الأنوار للمجلسي عن ورقة بن عبد الله الأزدي، قال: (خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام راجياً لثواب الله رب العالمين، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء، ومليحة الوجه عذبة الكلام، وهي تنادي بفصاحة منطقها، وهي تقول: اللهم رب الكعبة الحرام، والحفظة الكرام، وزمزم والمقام، والمشاعر العظام ورب محمد خير الأنام، (ص) البررة الكرام [أسألك] أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين، وأبنائهم الغر المحجلين الميامين. ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج والمعتمرين أن مواليّ خيرة الأخيار، وصفوة الأبرار، والذين علا قدرهم على الاقدار، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار المرتَدين بالفَخَار. قال ورقة بن عبد الله: فقلت: يا جارية، إني لأظنك من موالي أهل البيت (ع)؟ فقالت: أجل، قلت لها: ومن أنت من مواليهم؟ قالت: أنا فضة أمة فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى [صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها]. فقلت لها: مرحبا بك وأهلا وسهلا، فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك ومنطقك، فأريد منك الساعة أن تجيبيني من مسألة أسألك، فإذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابة مأجورة، فافترقنا. فلما فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريقي على سوق الطعام وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس، فأقبلْت عليها واعتزلتُ بها وأهديت إليها هدية ولم أعتقد أنها صدقة، ثم قلت لها: يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء (ع) وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد (ص). قال ورقة: فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ثم انتحبت نادبة وقالت: يا ورقة بن عبد الله هيجْت عليّ حزنا ساكنا، وأشجانا في فؤادي كانت كامنة، فاسمع الآن ما شاهدت منها (ع)) ثم تشرع بذكر تفاصيل امتدت على طول 6 صفحات من الكتاب.

إلى أن قالت بحسب الرواي: (فأقبل الحسن والحسين ع، وهما يناديان: وا حسرتاه، لا تنطفئ أبداً.. فقدنا جدنا محمداً المصطفى، وأمنا فاطمة الزهراء، يا أم الحسن، يا أم الحسين، إذا لقيت جدنا المصطفى فاقرئيه منا السلام، وقولي له: إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا.. فقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: إني أشهد الله أنها قد حنَّت وأنَّت، ومدت يديها، وضمتهما إلى صدرها ملياً. وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن، ارفعهما عنها، فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب. قال: فرفعتهما عن صدرها، وجعلت أعقد الرداء… إلخ).

وهناك عدة ملاحظات على الرواية ومن بينها:

  1. أن المجلسي نفسه قال في بدايتها: (وجدت في بعض الكتب خبرا في وفاتها (ع) فأحببت إيراده، وإن لم آخذه من أصل يعول عليه).
  2. الرواية طويلة استوعبت 7 صفحات من الكتاب، ويقول بعض أهل الاختصاص أن طول أية رواية يُعتبر من علامات وضعها.
  3. الرواية مليئة بالسجع في كلام الراوي وفضة والأشعار، وهي أشبه بنص تمثيلي معد من قبل سيناريست. وفيها من التكلّف البياني بما يتجاوز حدود الفصاحة والبلاغة ومن قرأ أدبيات العرب بلغتهم أو من له أدنى مهارة في فنونها يجزم بأن الرواية موضوعة دون شك.
  4. في الرواية أخطاء تُبيّن أن واضعها لا يتقن العربية على أصولها.
  5. الرواية بلا سند معلوم، والراوي الأزدي مجهول إذ لم يرد اسمه في كتب الرجال. قال الشيخ علي النمازي الشاهرودي في الصفحة 101 من الجزء 8 من مستدركات علم رجال الحديث (ورقة بن عبد الله الأزدي: لم يذكروه. روى عن فضة أحوال فاطمة الزهراء عليها السلام وكيفية وفاتها). أي الرواية التي ذكرناها.

وهناك روايات أخرى تذكر حضور الإمام الحسن (ع) عند ارتحال والدته عن هذه الدنيا الفانية، ونجدها مجموعة في ج43 من بحار الأنوار.

المشهد الثالث:

ننتقل الآن إلى مشهد آخر ذكره ابن شهراشوب في المناقب في الجزء 4 صفحة 10 نقلاً عن القاضي النعمان -وهو واضع أسس الفقه الإسماعيلي- في كتابه شرح الأخبار بالإسناد، عن عبادة بن الصامت ورواه جماعة، عن غيره أنه: (سأل أعرابيٌّ أبا بكر فقال: إني أَصبت بيض نعام فشويته وأكلته وأنا مُحرم فما يجب علي؟ فقال له: يا أعرابي أشكَلَت عليّ في قضيتُك، فدلَّه على عمر، ودلّه عمر على عبد الرحم،ن فلما عجزوا قالوا: عليك بالأصلع. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: سل أيَّ الغلامين شئت، فقال الحسن: يا أعرابي ألك إبل؟ قال: نعم، قال: فاعمَد إلى عددِ ما أكلتَ من البيض نوقاً فاضربهن بالفحول) أي فليكن بينها تزاوج (فما فضل منها) أي تولّد منها (فاهده إلى بيت الله العتيق الذي حججت إليه، فقال أمير المؤمنين: إن من النوق السلوب) التي ألقت ولدها بغير تمام (ومنها ما يزلق) يجهض (فقال: إن يكن من النوق السلوب وما يزلق فإن من البيض ما يمرق) أي يفسد(قال: فسُمع صوت: معاشر الناس، إن الذي فهّم هذا الغلام هو الذي فهّمها سليمان بن داود) في إشارة إلى القصة القرآنية الواردة في سورة الأنبياء 78-79: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا).

ولا أدري مدى صحة الرواية، ولكن إن صحت، فهي من الشواهد على علمه (ع) التفصيلي بالأحكام، وعلى امتلاكه لغة وقوة حجة وهو في صباه.

المشهد الرابع:

ثم نكاد لا نجد شيئاً يُذكر عن سيرته إلى أن يؤتى على ذكره ضمن أحداث الشورى التي أمر بها الخليفة عمر بعد إصابته سنة 23 هـ ، وعمر الإمام 20 سنة تقريباً، وذلك بغرض تعيين الخليفة من بعده، فقد روى ابن قتيبة في الجزء الأول صفحة 24 من كتابه الإمامة والسياسة أن عمراً قال: (وأحضِروا معكم الحسن بن عليّ وعبدالله بن عباس ، فإنّ لهما قرابة ، وأرجو لكم البركة في حضورهما، وليس لهما من أمركم شيء).

المشهد الخامس:

ثم يدخل عهد خلافة عثمان، ويبرز اسم الإمام الحسن مكرراً، خصوصاً في القسم الثاني من عهده والذي تبدلت فيه سياسات الخليفة بوضوح وبدأت معالم الفتنة تبرز أكثر فأكثر، وقد أصبح الحسن شاباً. ففي السنة 23هـ قُتل الخليفة عمر، والحسن في العشرين من عمره تقريباً، وإذا كنا نتكلم عن نهايات خلافة عثمان فهذا يعني أنه تجاوز الثلاثين من عمره بسنتين تقريباً. مما يجعل دوره وحضوره بارزاً وفاعلاً في الأحداث، وليتكرر اسمه في أكثر من مناسبة.

ولكن قبل أن ندخل في الحديث عن مواقف الإمام الحسن خلال أحداث الفتنة، يستوقفنا هذا المشهد الذي ذكره عدة من المؤرخين بشيء من الاختلاف حول فتح أفريقية (تونس) ومن بينهم ابن خلدون في تاريخه (العبر) في الجزء الثاني صفحة 128 حيث قال: (ثم إن عبد الله بن أبي سرح) أي عبدالله بن سعد أخو الخليفة بالرضاع وأحد الذين أمر النبي بقتلهم بحسب ما هو مروي في كتب السيرة، فقد ارتد عن الإسلام بعد أن كان كاتباً للوحي وأخذ موقفاً سيئاً من النبي والرسالة بعد ذلك، وإلا فإن مجرد ردته لا تسوّغ قتله ثم سكت النبي عنه في موقف معروف حدث في فتح مكة ارتبطت بوساطة الخليفة عثمان عدة مرات (استأذن عثمان في ذلك) أي فتح أفريقية (واستمده فاستشار عثمان الصحابة فأشاروا به فجهز العساكر من المدينة وفيهم جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر وابن عمرو بن العاص وابن جعفر والحسن والحسين وابن الزبير وساروا مع عبد الله بن أبي سرح سنة ست وعشرين) أي عمر الإمام 23 سنة تقريباً، ثم ذكر ابن خلدون تفاصيل ما تحقق في هذه الغزو من نصر للمسلمين. وهذه الرواية ذكرها الطبري أيضاً ولكنه لم يذكر فيها الحسنَ والحسينَ عليهما السلام.

بينما ذكر الطبريُّ في الجزء الثالث صفحة 323 من موسوعته (تاريخ الأمم والملوكِ) في أحداث سنة ثلاثين، أي عمر الإمام 27 سنة تقريباً أنه: (غزا سعيد بن العاص من الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله ص ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير) ثم ذكر تفاصيل الأحداث. وهذه الروايةُ على عكس الأولى ذكَرها ابن خلدون, ولم يذكرِ اشتراكَ الإمامينِ في تلكَ الحملة.

وروى الطبريُّ نفسه بعد صفحة وبسند آخر خبر غزوة سعيد بن العاص سنةَ ثلاثين ومعه (عبد الله بن العباس وعبد الله ابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص) ولا ذكر للحسنين.

من الباحثين الشيعة من أيّد أخبار مشاركة الحسنين، كالشيخ باقر شريف القرشي، والسيد هاشم معروف الحسني، ومنهم من رفض ذلك كالسيد سامي البدري. والله أعلم

علما بأن للحديث عن موقف الأئمة (ع) من الفتوحات – فضلاً عن المشاركة فيها – شأناً آخر ليس هذا محل بحثه وعرضه، وهو ما قد يساهم في قبول أو رفض هذه الأخبار.

المشهد السادس:

ننتقل الآن إلى الفترة الأخيرة من حكم الخليفة عثمان، حيث كان لسياساته المنحازة لبني أمية، وضعف إدارته، وتدخلات مروان ومعاوية، وفساد عدد من المسئولين المعيّنين من قبله، واستعمال العنف والتنكيل بحق منتقديه من كبار الصحابة، وغير ذلك، الأثر الكبير في تأليب الناس ضده، سواء في الكوفة أو البصرة أو مصر، بل وحتى في العاصمة، أي المدينة.

من مشاهد هذه الفترة ما جرى عندما نُفي أبو ذر إلى الربذة بأمر الخليفة عثمان والنداء في الناس ألّا يكلّم أحدٌ أبا ذر ولا يشيّعه ، فتحاشاه الناس سوى أميرِ المؤمنين علي (ع) وعقيل أخيه والحسن والحسين وعمّار ، فخرجوا يشيّعونه ، فجعل الحسن (ع) يكلّم أبا ذر ، فقال له مروان كما جاء في صفحة 412 من الجزء 22 من بحار الأنوار للمجلسي: (إيهاً يا حسن! ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل؟!) ولكن الإمام الحسن لم يعر لمروان اهتماماً. وفي وداعه قال له الإمام علي ما قال، وتكلّم عقيل ثمّ تكلّم الحسن، فقال : (يا عمّاه ؛ لولا أنّه لا ينبغي للمودّع أن يسكت ، وللمشيّع أن ينصرف لقصُر الكلام وإن طال الأسف ؛ وقد أتى القوم إليك ما ترى ؛ فضع عنك الدنيا بتذكّر فراغها ، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها ، واصبر حتّى تلقى نبيّك (ص) وهو عنك راضٍ).

وقد ذكر هذه التفاصيل ابن أبي الحديد في شرحه للنهج، وفي نهج البلاغة نفسِه جانب من هذا الحدث.

وانقسم الناس من الخليفة إلى فئات: المعارضون والثائرون، المؤيدون من المنتفعين وغيرهم، السلبيون، والساعون إلى الإصلاح.

الدكتور طه حسين في صفحة 42 من (الفتنة الكبرى) اعتبر أن الحسن (ع) كان من الفئة الثانية حيث اعتبره عثماني الهوى، قال: (ولم يفارق الحسنَ حزنُه على عثمان ، فكان عثمانيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، إلا انه لم يسلّ سيفا للثأر بعثمان، لأنه لم ير ذلك حقاً له ، وربما غلا في عثمانيته حتى قال لأبيه ذات يوم ما لا يحب. فقد روى الرواة أن علياً مرّ بابنه الحسن وهو يتوضأ فقال له: أسبغ الوضوء فأجابه الحسن بهذه الكلمة المرة: « لقد قتلتم بالأمس رجلاً كان يُسبغ الوضوء» فلم يزد عليٌّ على أن قال : لقد اطال الله حزنك على عثمان»).

ولا يمكن أن يصح هذا الكلام لا فيما له علاقة بعثمانيته ولا في كلامه وأسلوبه مع أبيه، والأسباب عديدة، من بينها:

  1. السياسة التي انتهجها الخليفة عثمان لم تترك له أي حميم أو صديق، فكانت أم المؤمنين عائشة تُخرج ثوب رسول الله (ص) وتقول للداخلين إليها : (هذا ثوب رسول الله لم يَبلَ ، وعثمان قد أبلَى سنتَه) انظر شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج ٦ – الصفحة ٢١٥.

ونَقِم عليه حتى طلحة والزبير وغيرُهما ممن أغدق عليهم بالاموال ، ولم يعد له أي صديق أو مدافع عنه سوى بني أمية وآل أبي معيط ، فكيف يكون الامام الحسن – الذي يحمل هدي جده رسول الله (ص) – عثمانيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة؟

  1. لقد رأى الإمام الحسن ع وعايش ما لاقاه أصحابُ أبيه كأبي ذر وعمار وابن مسعود من الاضطهاد، وشاهد ما لاقاه أبوه بالذات من الاستهانة بحقه ، وبعد هذا كيف يمكن تصوّر أن يكون الحسن عثمانيا ، او مغاليا في حبه له؟!!
  2. لم يكن للإمام علي (ع) دخل في قتل عثمان، بل حاول الإصلاح وسعى للنصح مراراً، ولكن الخليفة كان متقلّب الرأي، ووعد وأخلف، ضمن تفاصيل يصعب استقصاؤها في هذا البحث، والخلاصة أن علياً بريء من دم الخليفة عثمان تماماً، وحاول منع الثائرين من قتله دون جدوى، وهو ما أكده في خطابات ورسائل متعددة تجد عدداً منها في نهج البلاغة.
  3. مواقف الحسن (ع) بعد أشهر من هذا الموقف المزعوم في مساندة أبيه ضد من رفعوا قميص عثمان في حرب الجمل والأحداث التي سبقتها تشهد على عكس المدَّعى، فقد كان أحد المجيّشين للناس دعماً لأبيه، حيث بعثه بمعية عمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفران الناس، فسارا عنها ومعهما من أهل الكوفة نحو سبعة آلاف.

وكان معه في جيشه على الميمنة، ولما حاول الإمام علي ثني القوم عن الحرب وتكلم في ذلك، وقف الإمام الحسن أيضاً مسانداً موقف أبيه كما جاء في صفحة 51 من الجزء الأول من كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة وفي الجزء الثاني صفحة 245 من كتاب الفتوح لابن أعثم: (فوثب الحسن (ع) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنه قد بلغنا مقالة عبد الله بن الزبير، فأما زعمه أن علياً قتل عثمان فقد علم المهاجرون والأنصار بأن أباه الزبير بن العوام لم يزل يجتني عليه الذنوب، ويرميه بفضيحات العيوب، وطلحة بن عبيد الله راكز رايته على باب بيت ماله وهو حيّ. وأما شتيمته لعلي فهذا ما لا يضيق به الحلقوم لمن أراده، ولو أردنا أن نقول لفعلنا…) إلخ كلامه.

ولكي نستقريء موقف الإمام الحسن من الفتنة على عهد الخليفة عثمان، سأتوقف على عجالة لعرض موجز الأحداث.. فبعد أن بدأت الوفود تَقدِم إلى المدينة احتجاجاً ومطالِبة بعزل بعض الولاة واتخاذ بعض التدابير التصحيحية ورفع الظلم وإحقاق الحقوق، دخل الإمام علي (ع) على الخط، وطلب من الخليفة ان يَخرج الى الناس ، ويُعلن لهم أنه قد استجاب لهم، ففعل عثمان ذلك ، واعطى الناس عهدا ان يسير فيهم على كتاب الله وسنة نبيه ، وأن يوفر لهم الفيء ، ولا يؤثِر به أحدا من أرحامه ، وذوي قرباه ، ورجع المصريون الى بلادهم ، ودخل مروان على عثمان وأقنعه بالعدول عن هذا الموقف، وبالاستنجاد ببعض الأمصار ولاسيما بوالي الشام معاوية، وأن يقتل قادة الثائرين وغير ذلك من الإجراءات التي انكشفت لاحقاً، فعاد الناس من جديد ليحاصروا بيت الخليفة، وقد خذله معاوية وآخرون، فاستنجد الخليفة بالإمام علي، الذي لامه لأنه يسير على رأي مروان الذي لن يقوده إلا إلى الهلكة، ووقفت نائلة زوجة الخليفة موقفاً مؤيداً للإمام علي، إلا أن مروان استطاع أن يؤثّر في القرار النهائي للخليفة، وتطوّر موقف الثائرين إلى المطالبة بأن يخلع الخليفة نفسَه، فرفض وانتهى الأمر بعد الحصار وقطْع الماء بقتل الخليفة في مشهد مأساوي.

بعض الروايات تتجه إلى أنه في خضم هذه الأحداث، وقف الإمام الحسن (ع) موقف المدافع عن الخليفة، منعاً لقتله، إما بأمر أبيه علي، أو حباً لعثمان. وقد رفض بعض الباحثين الشيعة تلك الروايات، معتبرين أنها من موضوعات الأمويين.

ومن هذه الروايات ما جاء في البداية والنهاية لابن كثير أن علياً أرسل الحسن والحسين للدفاع عن عثمان ، فمَنعا المعارضين من الدخول إلى منزله ، وقد أصابت الحسن عدّة جراحات.

وفي رواية ابن أعثم في الفتوح الجزء الثاني صفحة 423 أنه دعا عليٌّ بابنه الحسن ، فقال : (انطلِق يا بني إلى عثمان فقل له : يقول لك أبي : أفتحبّ أن أنصرك ) فأقبل الحسن إلى عثمان برسالة أبيه، فقال عثمان : « لا ، ما أريد ذلك..». فسكت الحسن وانصرف إلى أبيه فأخبره بذلك. وفي رواية أخرى في نفس المصدر الجزء الثاني صفحة 425: (والتفت عثمان إلى الحسن بن علي ، وهو جالس عنده، فقال : « سألتك بالله يا ابن الأخ إلاّ ما خرجت، فإنّي أعلم ما في قلب أبيك من الشفقة عليك » ، فخرج).

وفي شرح نهج البلاغة الجزء التاسع صفحة 36 أنّه بلغ عليّاً أنّ عثمان يُراد قتلُه، فقال: (إنّا أردنا مروان ، فأمّا قتل عثمان فلا). ثمّ قال للحسن والحسين : (اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان، ولا تدعا أحداً يصل إليه). وبعد حوارات ومساجلات صاخبة بين أتباع الخليفة والمعارضين، رُميت السهام من كلّ جانب ، وكان الحسن بن علي حاضرا، فأصابه سهم ، فخضّبه بالدم.

وأنا شخصياً لا أرى إشكالاً في قبول بعضها، فدفاع الإمام علي عن عثمان في تلك الأزمة وانفاذه الحسن والحسين إلى دار عثمان لنصرته لا تعني أبداً الدفاع عن مواقف عثمان وسياساته التي ألّبت الناس عليه من كل حدب وصوب ، بل تعني المنع من انتهاك حريمه وتعمّد قتله ، ومنع حُرمِه ونسائه من الطعام والشراب ، ولم يُنفذهما ليمنعا من مطالبته بالعَزل ، كيف وهو عليه‌ السلام مصرّح بأنّه يستحقّ العزل بسبب ما أحدث. كما أن الإمام كان يَخشى أن يُقتل خليفة المسلمين، ليتحوّل قتلُه إلى سُنّة بعد قتل الخليفة عمر من قبلُ وهذا ما حصل فعلاً، حيث متد الأمر لاحقاً لعلي نفسه. بل إن عليا نفسَه دافع عن الخليفة، ففي الخطبة 240 من نهج البلاغة: (ومن كلام له عليه السلام قاله لعبد الله بن العباس، وقد جاء برسالة من عثمان وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبُع، ليقلّ هَتْف الناس باسمه للخلافة، بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل، فقال عليه السلام: يَابْنَ عَبَّاسٍ، مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ إِلاَّ أَنْ يَجَعَلَنِي جَمَلاً نَاضِحاً بِالْغَرْبِ) أي الدلو العظيمة، والكلام تمثيل للتسخير (أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ! بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ، ثُمَّ بَعَثَ إِليَّ أَنْ أَقْدُمَ، ثُمَّ هُوَ الْآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ! وَاللهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً).

وفي بعض المصادر كناسخ التواريخ الجزء2 ص 532 وكتاب أنساب الأشراف للبلاذري صفحة 68 من الجزء الخامس أن عليا قال: (أيها الناس! إن الذي تفعلون لا يُشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، إن الفرس والروم لتؤسِر فتُطعِم وتَسقي، فوالله لا تقطعوا الماء عن الرجل، وبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء مع فتية من بني هاشم).

ومع إسدال الستار على مشهد قتل الخليفة عثمان، بدأت مرحلة جديدة من سيرة الإمام الحسن (ع) ومواقفه الداعمة لأبيه في السلم والحرب إلى أن اغتيل علي(ع) وبويع الحسن (ع) ثم دخل في مواجهة مع معاوية انتهت بالصلح، وهو ما يمثل الفصل الثاني من هذه المرحلة، وهو فصل غني بالمشاهد المرتبطة بالإمام المجتبى (ع)، ولعله تتاح لي فرصة قادمة للحديث عن ذلك. والحمد لله رب العالمين.

 

Facebook Comments

You may also like

استهداف شخصية النبي الأكرم (ص): الأهداف والتداعيات والموقف المطلوب

(( بـرنـامــج الأبـــرار )) قال الله تعالى: {وَمَا