“حين بكتك محاجر القصيد”

“حين بكتك محاجر القصيد”

- ‎فيإصدارات
18
0

صدر حديثاً عن دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع/بيروت كتاب “حين بكتك محاجر القصيد ” للمفكر المغربي الدكتور ادريس هاني ومما جاء فيه: لا يمكن لأمة حرّة أن تنسى أحرارها وأبطالها، والحسين أيقونة التحرر لا book poemيستثقل سماع ذكراه سوى العبيد، ذلك لأنه يوم الطّف نادى في القوم: فكونوا أحرارا في دنياكم إن كنتم عربا كما تزعمون.

– ليس لألم الحسين حدود.. يسكن في كلّ جرح .. يتدفق كشلاّل حزن عبر القصيد..وليس ذاك مما انطوى عليه الرثاء عربيّا فحسب، فالوجع الحسيني كونيّ فلا تخطئ النّظر وتستكثر على اليتامى هذا الأنين.. فلو كان الحسين لهم لأحاطوه بأسوار من دموع، ولأقاموا له في كلّ صقع مدرسة للنحيب.. واعلم حينئذ أن البكاء حنين لطفولة المشاعر في ذروة التمحّض والوفاء.. أيتام غدوا بفقد حسين والحزن والأرق..

كان همّ يزيد وعصابته محو آثار ذاكرة موجعة استطاع الحسين أن يسدل الستار على آخر فصول الخداع فيها، هناك وفي كربلاء لم يعد مجال للرقص على ركح الزّيف، بات ما قبله ليس كما بعده، كانت أوّل انتفاضة أشعرت الرأي العام الواقع تحت توتاليتاريا يزيد الذي سخّر الكتابة التاريخية والحديث والفقه والمنابر لطمس معالم البيت الثوري في الإسلام. أطاح الحسين بيزيد وغير مجرى التّاريخ وحوّل قاتليه إلى مجرمين إلى الأبد في ذاكرة الأحرار.

لم تحسم حكاية كربلاء، إذ لا زال التاريخ والوعي يتشقلب مهما بدا من تحرره المغشوش لأنّه لا زال مدينا لهذه الثنائية المغالطة: إما تأويل الحدث بلغة الانتهازية وإمّا النسيان. لكن كيف يُنسى ما لا زال جرحا مفتوحا في جسد الوعي التّاريخي لأمّة تتناسى مأساة أبطالها وتجعل من الدعوة للنسيان رسالتها الجديدة حتى لا يبقى في التاريخ وازع للحرية والكرامة؟ ويبدو أنّ نسيان الحسين أو الدعوة لنسيان المأساة هو سياسة ماكرة تعزز الإفلات من العقاب. ولكن من يعاقب من يا ترى؟ حينما نتحدث بباسطة عن موضوع متصرم فذلك انزياح مغالط، لأنّ المتذكّر للمأساة يتماهى مع الحدث لكنه يعبر به في مسارات الزمن، فلقد توقف الزمن برسم هذا الصراع حتى بات كل يوم فيه ظلم هو عاشوراء وكل أرض فيها ظلم هي كربلاء، بل العقاب وموضوعه هنا نوعي يشمل كل موقف.

لو تركت الذاكرة لجدلها الطبيعي لكنا أمام إيجابية النّسيان باعتباره آلية لتعزيز قوة الحياة ورسوخها، لكن الذاكرة في عملية النسيان الطبيعي تقوم بانتقاء دقيق حيث تنسى بعضا من الحوادث وتثبت أخرى بحسب حاجة النفس إلى توازنها وكمالاتها. إن النسيان حينما يصبح تحت سياسة الخداع يصبح الانتقاء واعيا كالكذب، وحينما يستفحل الوعي الزائف بالتاريخ ويتحول إلى حقيقة راسخة تنتشر عبر مسالك الوعي واللاّوعي – 14 قرنا كافية لجعل الزيف قضية لاوعي أيضا – تصبح الدعوة للنسيان الانتقائي اللاشعوري – حين نحسن الظّن – خداعا عميقا.

سعى المحرّفون إلى عدة خطط في تقويض خطورة الحدث: التأويل/التزييف، النسيان، الحياد إقحام الخداع الديني بتحويل المناسبة إلى ضرب من الرّقص على ذاكرة منسية وافتعال طقوس تخرجنا من الملّة إلى ملّة أخرى وتكريس شكل من الزهايمر التفافا على الذّاكرة الموجعة في يوم كان أحرى أن يكون عيد حرّية وكرامة وليس عيد فقدان الذّاكرة.

نسيان الحسين هو أيضا علامة على مُغالطة أمّة تريد أن تنخرط في التّاريخ ودورته بميراث الغلب والعصبية لا بميراث الثورة والتحرر، كما تريد الانخراط في الأزمنة الحديثة بمنسوبها من تاريخها الخاص المزيّف، كما تريد الانخراط في الكون الحديث بتاريخ معروض غرريا كبيع مغشوش.

كم حاول التاريخ المزيّف أن يبتكر من صور خادعة ويتوسّل بالخيال ليزفّ لنا أيقونات مغشوشة ويحشّي ذاكرتنا بالكثير من التكرار؟ لماذا حينما نصل إلى مذبحة كربلاء تدور العيون في الرؤوس ويتفيهق الخنفشاري وتتمطّط شفاه “بني كلبون” وتبدأ كل خطط الإلتفاف على تاريخ واضح هو: أنّه في يوم ما كان يزيد رفقة قرده أبي قيس يريد إذلال الحسين، واتفق أنّ الحسين فعل كل ما في وسعه تحاشيا الموقف، ولكن الدعي ابن الدعي ركز بين السّلة والذّلة ، وحين حشرته عساكر ابن زياد قال: هيهات منا الذّلة، والمحصّلة: قُتل الحسين وبنوه، وسبيت بنات النبيّ، وقتل الطفل الرضيع، ودكّ الحسين تحت سنابك خيل ابن زياد، وقطع الشمر الرأس بينما انقض مرتزقته ليجردوا الجثة من كل شيء إلى حد قطع الأصابع لنهب الخاتم. الوجه المتوحّش لتاريخ يزفّه المؤرخ كقطعة نقية ومعصومة في تجارب النوع، كل من فيها نجم بأيهم اقتديت اهتديت، ثم قالوا: تلك أمّة قد خلت…

نخلص إلى القول أنّ نسيان الحسين هو التفاف على التاريخ وحراسة معبد الزّيف، وهو دعوى عبيد العرب الذين نادى الحسين فيهم: فكونوا أحرارا في دنياكم إن كنتم عربا كما تزعمون.

وعليه، لا يوجد عقل ولا قلب في تراث الغلب وبقايا عبيده الذين يبررون مآسيه ويخفون مذابحه بعناوين تنتمي للانزياحات المُغالطة. إنّ الحديث عن تاريخ صحيح ومصادر موثوقة من دون اجتهاد ومقارنة وتحقيق هو غباء وتغابي على طريق الاستغباء. لن نكون أمّة تاريخية إذا كنّا سنلتفّ على التّاريخ بصناعة تأريخية لم تقطع مع خرافة النّسيان.

ويبقى السؤال: ولم لا يكون النّسيان؟

تضعنا مأساة كربلاء أمام مشهد يفيض بالفروسية ويبلغ الإحساس فيه بالتحرر والكرامة منتهى ما تعززه المروءة. فأمّا ما يتعلق بالمصيبة وكيف تمّ انتهاك الحرمات فقد فاضت به الأخبار على الرغم من كل محاولات التحريف، لكن ما معنى الحسين؟

معناه الذي يزعج العبيد والقردة النازية على منابر التراث بطل جسّد كل معالم الفروسية. ما كان ليزيد وزمرته أن يحاربوا حسينا بمبارزة الأبطال بل فضّلوا الإحتشاد في عساكر أعدت بمنازلة جيش الديلم.

كانت ثورة الحسين منعطفا ما عاد بالإمكان إخفاء ما تنطوي عليه جبهة النّفاق من رغبة واستعداد للجريمة. لم يعد بإمكان تاريخ أبي قيس أن يتغلّب على الوعي كما تغلّبوا على الناس، فلقد شرخ الحسين الوعي عبر التضحية واقتطع منه مساحة للحرية والكرامة وترك الباقي لسلالة أبي قيس – قرد يزيد – ومن سار في ركب تاريخ متورخ بخوار عجل السّامري.

لا يتعلق الأمر بثأر تاريخي، فالثأر تولاّه فورا سليمان بن صرد الخزاعي والمختار الثقفي وحركة التوابين، وقامت به الحركة العلوية قبل استبداد بني العباس، قام به الفاطميون والبويهيون وما لا حصر له ممن دكوا قتلة الحسين وأحفاذهم ومشاريعهم دكّا كل بحسب وعيه التاريخي ومقاصده، لكن القضية تتعلّق بالذّاكرة النّقية والفروسية العالية والتحرر الأرقى، فالحسين يحيل على الحكاية كلّها في تاريخ لم يقرأ ولم يكتب بعد.

إذا استكثرت على الحسين التضحية واعتبرت أنه لا يوجد فيها مصلحة في دنيا ولا في آخرة كما قال ابن تيمية الحرانّي فذلك لأنّ العبيد ما فتؤوا عبر التاريخ يهوّنون من ملاحم الأحرار، هوّن الحرّاني من ثورة الحسين وسلك على طريقه سرب من قطّاع طرق التراث لكنهم عادوا ليحولوا الحراني إلى أيقونة وبطل.

هؤلاء كما يفعل الكثير من أهل المقاصد الماكرة أخرجوا مفهوم الكرامة والتحرر من مقاصد الإسلام، إنهم يخشون أن يقودهم السؤال التاريخي إلى ما هو أخطر، فما هو يا ترى الأخطر في المقام؟ إنّ يزيد ممثّلا لبطانته سعى لاستكمال الثأر لقتلى شيوخه ببدر في تمثّله لأبيات ابن الزبعرى مع إضافات ثابتة من عنده:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

وقعة الخزرج من وقع الاسل

قد قتلنا القرن من ساداتهم

وعدلنا ميل بدر فاعتدل

Facebook Comments

You may also like

البيان الختامي للمؤتمر الثالث لمنتدى حواء للمرأة المسلمة

    بسم الله الرحمن الرحيم عقد منتدى