عاشُوراءُ لَوْحَةٌ جَمالِيَّةٌ

عاشُوراءُ لَوْحَةٌ جَمالِيَّةٌ

- ‎فيفكر إسلامي
261
0

زعيم الخيراللهzaeem1

الجمالُ قيمةٌ من القيمِ في هذا الوجودِ، وقد صُمِّمَ الكونُ كُلُّهُ على اساسِ هذا الجَمالِ؛ فالجمالُ فطرةٌ في هذا الوجود، واي خللٍ في هذا التناسقِ الجميلِ الذي تنطقُ بهِ موجوداتُ هذا العالم يُعَدُّ قُبْحاً وَنَشازاً في سيمفونيةِ الوجود الجميلةِ .

الجمالُ في الكونِ هوَ تَجَلٍّ لاسمِ الجميلِ، وكل اسماءِ الله حُسنى وجميلةٌ. يقولُ اللهُ تعالى:

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾. الاعراف: الاية:180.

في السماء جمال وزينةٌ تُبهر الناظرين، يقولُ اللهُ تعالى : ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. الملك: الاية: 5.، ويقول تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾.الصافات: الاية: 6

وفي الانسانِ جمالٌ في التركيبِ والقوام والخلق: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. التين: الاية: 4.

وفي الارضِ جَمالٌ حينَ تكون هامدةً وينزلُ عليها المطر فتنبت وتزهو وتختالُ بجمالِها :﴿….. وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. الحج: الاية: 5.

وفي الانعام جَمالٌ :﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾.النحل: الاية: 6.

والخيل والبغال والحمير لها وظائف عديدة منها: الركوب، ولكنَّ القرآنَ الكريمَ لم يغفل ذكر الزينةِ والجمال فيها : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. النحل: الاية: 8.

حتى الثمرة على الشجرة في انباتها جمالٌ، وعندما تكونُ ثمرةً فيها جمالٌ وعند ينعها فيها جمالٌ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.الانعام: الاية: 99.

والجمالُ بحاجةٍ الى بصائرَ شفافةٍ تُدركُ الجَمالَ؛ والاّ فالبصائرُ المَعْطوبةُ لاتدرك الجمالَ وربما تراهُ قُبحاً. يقول الله تعالى : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.الاعراف: الاية: 179.

فَأَجهزةُ الأدراكِ لَدَيْهم مُعَطّلَةٌ، ليس لها قابلِيّةٌ على ادراكِ ايُّ شيءٍ .

في هذا المقالِ- انا أحُثُّ على اشاعةِ الجمالِ وثقافتهِ – في اوساط الأُمَّةِ؛ لانني اعتبرُ أَنَّ غيابَ ثقافةِ الجمالِ وفقدانَ الحِسِّ الجماليِّ وَتّشّوُهَ فطرةِ الجمالِ لدينا، جعلنا لانُمَيّزُ بينَ الجمالِ والقبحِ، بل والأنكى من ذلك، اننا نرى في القُبْحِ جَمالاً. فقدانُ الموضوعيّةِ في الحُكمِ على الاشياءِ قبحُ صرنا نراهُ جَمالاً .

الجمالُ معيارٌ، ودليلٌ لاثبات وجود الجميلِ الخالقِ لهذا الكونِ، لاأدري لماذا لايوجد في براهينِ الفلاسفةِ برهاناً باسم (برهانُ الجمال) ليكون برهاناً للاستدلالِ من جمالِ الوجودِ على الخالقِ الجميلِ. هناكَ فنانونَ في هذا العالم يشارُ الى فنهم بانه فنٌ جميلٌ وهم يدعون الى العُريِ والاباحيّةِ، لماذا؟ لاننا فقدنا حاسة الجمال، وذائقةَ الجمال.

نحتاجُ الى فِقْهٍ يعتمدُ حِسَّ الجمال، والى فقيهٍ لَدَيهِ ذائِقَةٌ جمالِيّةٍ، حتى لايتحولَ القُبحِ الى دينٍ نَدينُ اللهَ بهِ. فتوى شريحٍ القاضي بتبرير قتلِ الامام الحسين عليه السلام فتوى قبيحةٍ صدرتْ من نفسٍ قبيحةٍ باعت كيانها للشيطان بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودةٍ .

وداعشُ وفتاواها بالقتلِ وقطعِ الرؤوس، والتفجير والحرق، فتاوى منشؤُها القبح، ووراءها نفوسٌ قبيحةٌ، وثقافةٌ قبيحةٌ مُشَوَّهَةٌ.

لابد من قيام الفقاهةِ على حِسٍّ جماليٍّ . المشهور في تعريف الاعلم من المجتهدين بانه: الاقوى والاقدر استنباطاً، ولكن السيد اليزدي في العروة الوثقى عرفهُ بانه: (الاجودُ استنباطاً) اي ان لهُ جودة وذائقة جمالية في الاستنباط. ومصطلح شم الفقاهة له علاقة بالحاسة الجمالية للفقيه .

الجمالُ في النّهْضَةِ الحُسَيْنِيَةِ

يجب أنْ تُدرسَ النهضةُ الحُسَينِيَّةُ، بمعايير الجمالِ التي أشارت اليها السيّدةُ زينب عليها السلام حينما خاطبت ابنَ زياد عليه اللعنةُ: (روى السيّد ابن طاووس: أنَّ ابْنَ زِيَادٍ جَلَسَ فِي الْقَصْرِ لِلنَّاسِ وَأذِنَ إِذْناً عَامّاً، وَجِي‏ءَ بِرَأْسِ الحُسَيْنِ عليه السلام، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُدْخِلَ نِسَاءُ الحُسَيْنِ وَصِبْيَانُهُ إِلَيْهِ، فَجَلَسَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ عليها السلام مُتَنَكِّرَةً، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ: هَذِهِ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ.

فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي فَضَحَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ. فَقَالَتْ: إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ الله بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ الله بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِـمَنِ الْفَلْجُ، يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا بْنَ مَرْجَانَةَ). (ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف، ص 10-11).

كُلُّ ماجرى على الامامِ الحسينِ عليه السلامُ واهل بيتهِ في كربلاء كان جمالاً في الرؤيةِ الزينَبِيَّةِ التي ترى بنورِ بصيرتها المستنيرةِ بالجمال الالهي، ان القتلَ جمالٌ، والسبْيَ جمالٌ وقطعَ الرؤوسِ جمالٌ، ورفعها على اسنةِ الرماحِ جمالٌ. هذا الجمالُ لايراهُ الفنانونَ في كربلاء؛ لانهم لايَرَونَ في الرؤوسِ المقطوعةِ جمالاً، ولا في الطفولةِ المذبوحةِ من الوريدِ الى الوريدِ جمالاً، ولافي حرقِ الخيامِ جمالاً، ولافي سبيِ النساء جمالاً .

في عاشوراء ظهر الجمالُ الحسينى بابهى صورةٍ، كما عَبّرَ عنهُ الشاعرُ محمد مهدي الجواهري بقوله:

وجَدْتُكَ في صورةٍ لـم أُرَعْ بِأَعْظَـمَ منهـا ولا أرْوَعِ

وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَـعِ

وأنْ تَتَّقِي – دونَ ما تَرْتَئـِي- ضميرَكَ بالأُسَّـلِ الشُّـرَّعِ

وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ مِنَ “الأَكْهَلِيـنَ” إلى الرُّضَّـعِ

وخيرَ بني “الأمِّ” مِن هاشِمٍ وخيرَ بني ” الأب ” مِنْ تُبَّـعِ

وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ كَانُـوا وِقَـاءَكُ، والأذْرَعِ

رأينا في الحسين عليه السلام واخوته واهل بيته واصحابه جمال الظاهر، فالحسين تجلى فيه الجمالُ النّبَوِيُّ، والقاسم (كأنَّ وجهه فِلقةُ قمرٍ طالعٍ)، والعباس كان يلقب بقمر بني هاشم، وعلي الاكبر كان يشبه النبي (ص) خَلقاً وَخُلُقاً ومنطقا، وتجلى فيهم جمالُ الموقف، وجمالُ التّضحية والبطولة، وكل القيم النبيلة. وتجلت في اعدائهم معادن الخسة والطمع والحرص على الدنيا، كانوا تجليات للقبح باشوه صورة، قتلوا وقطعوا الرؤوس وذبحوا الاطفال الرضع، وحملوا الرؤوس الطاهرة على اطراف الرماح وطيف بها من كربلاء الى الكوفة الى الشام. لابد ان تدرس عاشوراء وفقَ معايير الجمال، حتى لاتصدر فتوى تقول: (ان الحسين عليه السلام قتل بسيف جده)، وان الحسين خرج على امام زمانه. الامام الحسين عليه السلام أوضحَ للوليد الجمال في شخصيته والقبح في شخصية خصمه: “أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله وبنا ختم الله، ويزيد رجلٌ فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ليس له هذه المنزلة، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة” .( اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس، ص 17).

هناك اليوم اصواتٌ نشازٌ تعتبرُ الامامَ الحسينَ عليه السلام خارجاً على الشرعيّة، وان يزيد امام المسلمين. هذه الاصوات انتهت الى هذه النتيجة، لانَّ حسَّها الجماليَّ مشوهٌ، فصارت ترى القُبْحَ جمالاً والجمالَ قُبْحاً.

سلامٌ عليك ياسيَّدَ الشهداء، ياسيدَ الجمال، يامن ابنت بنهضتك جمالك وجمال موقفك وجمال اهل بيتك.

Facebook Comments

You may also like

استهداف شخصية النبي الأكرم (ص): الأهداف والتداعيات والموقف المطلوب

(( بـرنـامــج الأبـــرار )) قال الله تعالى: {وَمَا