مقاربة بين الامامة وارادة الامة

مقاربة بين الامامة وارادة الامة

- ‎فينشاطات المؤسسة
30
0

بمناسبة يوم عيد الغدير الاغر، اقامت مؤسسة الابرار الاسلامية برنامجا بهذه المناسبة العظيمة استضافت فيه سماحة الشيخ زعيم الخير الله الذي تحدث عن “مقاربة بين الامامة وارادة الامة”. كما القى الدكتور سليمان الخطيب قصائد شعرية ثم عرض نشيد في هذه المناسبة للاخ جلال معصومي. كان ذلك الخميس 6 اغسطس 2020 عبر الفضاء الافتراضي.

مقدمة لسماحة الشيخ حسن التريكي

قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

الحمد لله على اكمال الدين واتمام النعمة بولاية امير المؤمنين. نسأل الله ان يثبتنا في الحياة الدنيا على ولاية الامام علي عليه السلام وان يحشرنا في زمرة اوليائه.

عيد الغدير هو اليوم الذي اكمل الله فيه الدين. بعد ان اكمل الرسول حجة الوداع بعد ان أرى المسلمين مناسكهم، رجع الى مكة ومعه 120 الفا حتى بلغ غدير خم. نزل عليه جبرئيل وتلى عليه الآية: ﴿اليوم اكملت  لكم دينكم……﴾. والله قال لنبيه اذا لم تبلغ ما انزل اليك فما بلغت رسالته. انها رسالة الله التي تمتد من آدم الى خاتم النبيي.

كل هذه الرسالات تتوقف على هذا التبليغ . كان الامر معلوما بين النبي  صلى الله عليه واله وبين الله وهو تنصيب الامام علي اماما.

صلى النبي بالمسلمين الظهر والعصر جماعة، ثم قرأ عليهم خطبته: ألست اولى بكم من انفسكم؟  قالوا: بلى. قال: ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه. فقام المسلمون يهنئون النبي بولاية علي وجاء الصحابة وقالوا: بخ بخ لك يا علي. امرهم النبي بمبايعة علي، فبايعوه. النساء وضعن ايديهن في اناء للمبايعة.

كلمة الشيخ زعيم الخير الله

أتَقدمُ بشُكري وامتناني الى الاخوة في مؤسسةِ الابرارِ وسماحةِ الشيخ التريكي على دعوتهم الكريمة لي . في البدايةِ اباركُ لكم عيدَ الغدير الاغر .Screenshot 2020-08-06 at 23.47.12

عيدُ الغديرِ هو عيدُ الولايةِ والامامةِ . عيدُ الغديرِ هو عيدُ اللهِ الاكبرُ ، وهو دليلٌ واضحٌ وجليٌّ على امامة عليٍ عليه السلام.

هناكَ رؤيتانِ في الامامةِ عندَ المسلمينَ : الرؤية الاولى ترى أَنَّ الامامةَ مسأَلَةٌ عَقَدِيّةٌ كلاميّةٌ ، وهي من الأُصولِ وليست مسألَةً فرعِيَّةً .والرؤيةُ الثانيةُ ترى في الامامةِ مسأَلَةً فرعيّةً فقهيةً تتعلقُ بافعالِ المكلفين ، ولاعلاقة لها بالعقيدةِ واصول الدين .

على ضوءِ الرؤيةِ الاولى ، اللهُ تعالى هو من ينصبُ الامامَ ويختارُهُ كما ينصِبُ ويختارُ النبيَّ صلى الله عليه واله وسلم .ومسالةُ الامامة وفق هذه الرؤيةِ لاعلاقةَ لها بالناسِ ؛ لانها ليست شأناً من شؤونهم . يقولُ اللهُ تعالى:(۞ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ). البقرة: الاية: 124.

الامامةٌ جعلٌ الهيٌّ وليست شأناً بشريّاً حتى يقررها البشر من خلالِ انتخابِ الناسِ واختيارهم .أُمورُ الناسِ شورى بينهم ، يقول اللهُ تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ). الشورى: الاية: 38.

امورُ الناس وادارتهم لحياتهم وحتى الحكم الذي يعطي مقبولية للحاكم من خلال بيعة الامة واختيارها له ، ولايعطيه شرعيةً ؛ لانَّ شرعيةَ النبيِّ والامام حسمهما النَّصُ الالهيُّ، فلو ادارت الامةُ ظهرها للحاكمِ ، لايفرضُ حكمهُ عليها بالقوة.

عليٌّ (ع) بقيَ حبيسَ دارِهِ خمساً وعشرينَ سنةً ؛ بسبب نكوصِ الامةِ عن مسؤوليتها التاريخية.

يومُ الغديرِ هو يومُ تحديدِ المعيار ، وقد حدد اللهُ المعيارَ ؛ لان الشرطَ في المعيار ان يكون معصوماً ، واذا لم يكن معصوماً فقدَ معياريتهُ. جهاز فحص السكر في الدم معيارٌ واذا لم يكن دقيقاً ومعصوماً في قرائته يفقد قيمته .

واذا كان المعيارُ معصوماً فيكون اختيارُه وتحديدُهُ بيدِ الله تعالى ؛ لانَّ تحديدَهُ لايُخطئ .

ومهمة الرسول ليست هي اصطفاء المعيار وانما فقط التليغ عنهُ.

عليٌّ عليه السلامُ معيارٌ يفصلُ بينَ الحقِ والباطلِ ، ويحدد الهدى من الضَّلالِ ، يقول النبيُّ (ص) : ( عليٌّ معَ الحقِّ والحقُّ مع عليِّ يدورُ معهُ حيثما دار) .

أَئمتُنا شخصياتٌ معياريَّةٌ وليسوا شخصياتٍ تأريخيّةً . الشخصيَّةٌ التأريخيّةُ تلعبُ دوراً في التأريخِ في مقطعٍ زمنيِّ محَددٍ فاذا انتهى دورُها انتهت ، وليس هكذا حالُ نبينا (ص) وائمتنا عليهم السلام .

في الرؤيةِ الأُولى : الامامُ يجبُ أنْ يكونَ معصوماً ؛ لانهُ معيارٌ ، وفي الرؤيةِ الثانيةِ لاتُشتَرَطُ العصمةُ بل يُكتَفى بعدالته ، ولايُشترطُ العلمُ الخاصُّ بل يكفي الاجتهادُ الذي يخطئ ويُصيبُ ؛ لانه ليس معياراً .

لم يكن علياً عليه السلامُ مرشحاً من قبل النبي لما امتازَ بهِ من مؤهلاتٍ ومزايا ، وانما تعيينهُ صدر من قبلِ الله تعالى ، وكان دور النبي (ص) هو فقط التليغ عن هذا الامر الالهيِّ .

المقاربةُ الثانيةُ ونحن نتحدث عن يومِ الغدير، هي (مقاربة التعادليّة) ،التعادُليّةُ موجودةٌ بينَ اجزاءِ الكونِ وعناصره . يقول الله تعالى:( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ). الملك: الاية: 3. والكونُ المتعادلُ والذي هو كتابُ الله التكوينيُّ يُعادِلُهُ كتاباً اخر هو القرآنُ الذي هو كتاب الله التدوينيُّ . القرآنُ ايضاً كتابٌ متعادلٌ في الفاظهِ وعباراتهِ وجُمَلِهِ . يقولُ الله تعالى:

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ). النساء: الاية: 82.

في القرآنِ الكريمِ تَعادُلِيّاتٌ منها :

(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ).المؤمنون: الاية:71.

هناك تعادليّة بين اتباع الحق لاهوائهم وبين فساد السموات والارض ومن فيهن.

وهناك تعادليّةٌ بين الظلم العظيم والشرك ؛ فالشركُ ليس ظلماً هيناً ، وانما هو ظلمٌ عظيمٌ ؛ لانه ظلم الرب الذي يستحقُ وحده العبادة حينما يعبد الانسانَ غير الله تعالى .

وفي قوله تعالى :(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ). ال عمران: الاية: 61 . في الايةِ الكريمةِ هناك تعادُلِيّةٌ بين نفس النبي (ص) ونفس عليِّ عليه السلام .

وفي الغديرِ تعادُلِيّاتٌ ذكرها القرآنُ الكريمُ كما في الايات التالية:

(۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). المائدة: الاية: 67.

في الاية تعادُلِيّةٌ بين الرسالةِ والولايةِ . وكذلك في قوله تعالى :

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). [المائدة:3]

في الايةِ الشريفةِ تعادُلِيَّةٌ بينَ اكمال الدين واتمام النعمةِ التي هي ولايةُ عليٍّ امير المؤمنين عليه السلامُ .

 

تعادُلِيّاتُ حديثيَّةٌ

—————-

والاحاديث النبويّةُ الشريفةُ كذلك احتوت على تعادلِيات منها:

حديثُ الثقلين : (إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا). في الحديثِ تعادلِيّةٌ بين كتاب الله تعالى والعترة الطاهرة ، وهي تعادلِيَّةٌ بين معيارين . وكذلك هناك تعادليّةٌ في قول النبي (ص) :

(من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية). فهناك تعادُلِيَّةٌ في الحديث بين موت الجاهلية والذي يموت ولم يعرف امام زمانه . وقول النبي (ص) :(ضربة علي (عليه الصلاة والسلام) ، ( يوم الخندق ) ، تعادل عبادة الثقلين) . فهناك تعادليّة بين ضربةِ عليٍّ يوم الخندق وعبادة الثقلين . وكذلك قول النبي (ص) : (علي مع الحقّ والحقّ مع علي). فهناك تعادلية بين الحق وعلي لانَّ كلاً منهما معيار ، الا ان الحق معيارٌ مجرد وعليٌّ معيارٌ مجسد . وقولهُ صلى الله عليه واله وسلم :(علي مع القرآن ، والقرآن مع علي). عليٌّ في هذا الحديث يعادلُ القرآنَ ؛ لان كلاً منهما معيارٌ الا انَّ القرآنَ معيارٌ صامتٌ وعليٌّ عليه السلام معيارٌ ناطقٌ.وفي الختام اشكر كلَّ الاخوة الذين تدخلوا واثروا الحوار بمداخلاتهم ، كما اشكر الاخوة الذين رحبوا بي كتابةً.

Facebook Comments

You may also like

مشاهد من سيرة الإمام المجتبى (ع) بعد وفاة رسول الله (ص)

كلمة القيت في مؤسسة الابرار الاسلامية عبر العالم