تجربة الحج والعيد التي لم تتحقق بسبب كورونا

تجربة الحج والعيد التي لم تتحقق بسبب كورونا

- ‎فيمقالات
18
0

د. سعيد الشهابيnews1_saeed1

بعد شهور من الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي اصبح هناك نمط جديد من الحياة سيفرض نفسه على البشر ويغير ديناميكية الاقتصادات المحلية والدولية. فبعد مرور اكثر من ستة شهور على انتشار الوباء ما يزال العالم حائرا امام الوباء وآثاره على كافة الصعدان. خلال هذه الفترة جرت محاولات عديدة لاعادة التوازن بين طرق مكافحته واعادة النمط الطبيعي لحياة البشر، ولكن ما يزال هناك تخوف من ذلك. ففي اغلب البلدان او المناطق التي تراجعت حالات الاصابة فيها وخففت ظروف الحجر الصحي، عاد الوباء اليها واضطرت لفرض الحجر مجددا. هذا يعني ان العالم سيمر بحالات من فرض الحجر ورفعه فترة من الوقت حتى تتوفر المضادات المناسبة للفيروس والعلاج المناسب، ولا يبدو تحقق ذلك مؤكدا برغم التنبؤات المتعددة. الامر المؤكد وجود صراع داخلي لدى الكثيرين: بين عودة الحياة الى طبيعتها والخشية من الاصابة. ولذلك حتى في حالات التخفيف ما تزال قطاعات كبيرة ترفض الاستعجال في ذلك وتعتبره مخاطرة مبكرة لا يمكن التنبؤ بآثارها. فما تزال مشاعر القلق والخوف تسيطر على الكثيرين وهم يرتادون المحلات التجارية او يمارسون بعض الرياضة في الحدائق العامة، خصوصا بعد اكتشاف شراسة الوباء وآثاره القاتلة في كافة مناطق العالم، وفي ظل التحذيرات التي تصدرها الجهات المختصة خصوصا منظمة الصحة  العالمية بان الوباء ما يزال ينتشر في غياب الامصال والعلاجات المناسبة.

وثمة تباين واضح بين امكانات القطاعات المجتمعية المتعددة في مجال التكيف مع ما يسمى “الواقع الجديد”. ففيما استطاعت وسائل الاعلام وبعض قطاعات الاعمال على التكيف بشكل جيد مع هذا الواقع، واستمر عمل موظفيها من منازلهم بدون الحضور في المكاتب، فان النشاطات الدينية ما تزال غير قادرة على التكيف بشكل فاعل. صحيح ان هناك نشاطات فكرية ودينية عبر العالم الافتراضي ولكنها لا تستطيع التعويض عن الحضور الشخصي المباشر والممارسة الطبيعية في المساجد والكنائس ودور العبادة الاخرى. فالمسألة هنا لا تنحصر بسماع صوت عالم الدين او القس او الكاهن وهو يخطب او يصلي، بل ان الحضور الشعوري والاحساس العملي بالاخوة من خلال المصافحة والعناق والوقوف صفا للصلاة، امر ضروري لتعميق العلاقة وتوثيق عرى الاخوة بين المصلين. فهذا موسم الحج قد مر بدون ان يستطيع المسلمون التواجد في الاراضي المقدسة بمكة والمدينة، أليس في ذلك غياب لممارسة طالما حظيت باهتمام العالم عن كثب؟ ومر عيد الاضحى المبارك ولكن في غياب مظاهر الفرح والاحتفاء واللقاءات الاخوية والعائلية. صحيح ان الكثيرين عوضوا عن ذلك بالتواصل بالصوت والصورة عبر وسائل التواصل الحديثة، ولكن غياب التلامس الانساني الفعلي حال دون تحقق الغبطة المصاحبة لفعاليات العيد.

سيحل بعد ايام موسم عاشوراء الذي اعتاد المسلمون الشيعة على الاحتفاء به واحيائه تخليدا لذكرى استشهاد حفيد رسول الله الامام الحسين بن علي عليه السلام الذي استشهد مع 72 من اهل بيته واصحابه في كربلاء في العام 61 من الهجرة. هذا العام لن تكون مراسم الاحياء كما كانت في الاعوام السابقة. فالحجر الصحي سيحول دون حضور المساجد والمآتم التي تكتظ عادة بالحاضرين العاشقين للحسين ودربه. كما لا يتوقع خروج مواكب عزاء كما جرت العادة، خشية تصاعد الاصابات بالوباء. انه شعور يكتنفه الالم والحسرة من جهة، ولكن لا سبيل للاعتراض العملي على هذا الواقع الصعب الا بالكيف مع الظروف التي فرضها والاستفادة من الامكانات المتاحة من اجل ذلك. انه لشعور شديد الوقع على النفس ان يشعر الانسان بعجزه امام فيروس صغير لا يرى بالعين ولكنه قادر على اجبار الانسان على الاعتراف بصغره وضعفه امام القوانين والسنن الالهية التي تفرض نفسها من خلال الظواهر الطبيعية. انها فرصة للعودة الى  الله والاعتراف بان الانسان مهما بلغ من القوة والعلم والتكنولوجيا فسيبقى صغيرا وضعيفا ومحدود القدرات امام الله المقتدر الجبار. وما اوتيتم من العلم الا قليل.

 

Facebook Comments

You may also like

مشاهد من سيرة الإمام المجتبى (ع) بعد وفاة رسول الله (ص)

كلمة القيت في مؤسسة الابرار الاسلامية عبر العالم