مدرسة الشيخ الوائلي الخطابية وأهم معالم التجديد فيها

مدرسة الشيخ الوائلي الخطابية وأهم معالم التجديد فيها

- ‎فينشاطات المؤسسة
36
0

بمناسبة ذكرى رحيل الشيخ احمد الوائلي، أقامت مؤسسة الابرار الاسلامية ندوة بهذه المناسبة استضافت فيها كل من سماحة الدكتور الشيخ فيصل الكاظمي وسماحة السيد مضر الحلو. كان ذلك يوم الخميس 16 يوليو 2020.

الشيخ فيصل الكاظميFAISAL

من الصعب ان اتحدث عن الشيخ الوائلي واصعب منه ان لا تتحدث عنه لانه طرق ابواب متعددة وكان تألقه في جوانب كثيرة وحاول ان يكون متألقا في كل باب يطرقه. الاصعب منه عدم الحديث لانه كان وما زال ويبقى انه تحول الى ظاهرة علمية وثقافية وتربوية ما تزال مجودة.

الذي يقارن المنبر الحسيني قبل وبعده يدرك الفرق. الشيخ الوائلي بدأ مبكرا. قارونوا بين منبر الوائلي والمنبر الحالي. مع الاسف تقهقر هذا المنبر الا في حالات قليلة.

الشيخ الوائلي منذ سنة 2003 رحل الى ربه والى الان اغلب الفضائيات المرتبطة بمدرسة اهل البيت لا تزال تبث محاضراته. الى الان لم تنجب الساحة مثل الشيخ احمد الوائلي.

كيف تألق الشيخ الوائلي هذا التألق وهذا التميز؟ ربما كان هناك عاملان اساسيان فيه وفي غيره من المتميزين.

العامل الاول يرتبط بالظروف الموضوعية التي تحيط به او التي احاطت به حيث نشأ بالنجف الاشرف وكان في مرحلة انفتح فيه النجف على العالم ثقافتة وادبا ودراسة وكتابا. العراق كان يعتبر الدول الاولى في العالم العربي في كثرة القراء والمتابعين. الطباعة التي انتشرت في النجف الاشرف وحركة التأليف وحركة الترجمة جعلت من النجف الاشرف انذاك ملتقا ثقافيا متميزا وعاصمة للثقافة الاسلامية مصطلحا وواقعا. ولكن الكثير من عاصر الشيخ الوائلي كان قد عاش هذه الظروف وهذا هو السبب الاول.

السبب الثاني هو المؤهلات الذاتية لديه مع تلك الظروف الموضوعية المشجعة جعلته يتألق. من تلك المؤهلات انه كان دقيقا في عمله. يذكر احد الذين كان معه كما في المصطلح (صانع) فكان الشيخ الوائلي ينقل عنه اذا اراد الاستاذ منه قصيدة فاليوم الثاني يأتي الشيخ الوائلي بقصيدة محركة مشكلة وبأداء رائع فيما يتلكأ الاخرون من حفظها. واذا حفظوها يحفظوها بصورة غير مأهلة للالقاء.

الشيء الاخر انه كان يجعل من كل فشل سببا لكي يتقدم ولكي يتطور. العلامة السيد محمد كلندر وكان صديقا له يقول افتقدت الوائلي لمدة ستة اشهر ثم لقيته بعد هذه المدة وسألته اين كنت شيخنا؟ قال كنت اقرأ مجلسا ولكن تضاحك بعض الحضور الجالسين فعلمت اني قد اخطأت وتألمت من ذلك. انا دخلت السرداب لمدة ستة اشهر ما تركت كتابا الا وقرأته. هذا شيء غريب حيث تعلم من تلك السخرية للوصول الى المستوى المطلوب.

ثالثا مكتبته عامرة بالكتب. قال العلامة عبدالهادي الفضلي رحمه الله كانت مكتبة الشيخ الوائلي تحوي جميع تفاسير القران المطبوعة في العالم. وهذا يدل على الفهم في القراءة والمتابعة.

الشيخ الوائلي حتى حين تألق لم يترك المتابعة. زرته في التسعينيات في الكويت حيث كان يهيأ دار يسكنها وعنده مجالس هناك. عندما كان يتكلم معنا فان الكتاب في يده والدفتر في يده. ينظر مرة الينا ومرة على الكتاب وهو الشيخ الوائلي يعني ما زال متابعا وما زال لا ينهض الا ليزداد قوة ولا يعبأ الى ما وصل اليه.

نقطة اخرى بقى الشيخ الوائلي متألقا الى اخر ايامه الذي يدرس محاضراته الاخيرة في دبي قبل وفاته، قرأ في وضع صحي متأزم حيث طرح ابحاث راقية ومتقدمة منها اللجوء السياسي في الاسلام، حوار الحضارات كانت مصطلحات جديدة وافكار جديدة ومشكلة العائلة المسلمة المعاصرة وهو في مرضه ولا يزال متألقا ولهذا اكتسبت مدرسته معالم متميزة منها:

العقلانية. لم يكن الشيخ متشنجا. لم يستخدم اساليب متخلفة. لم يعتمد على روايات هشة. لم يعتمد على الاحلام. اعتمد على الحقائق القرانية الواضحة وروايات اهل البيت المعتمدة ويحكم العقل. وهذا جعل لمنبره ميزة استطاع من خلالها ان يكتسب شرائح الشباب والذي كان يحاول ان يتكلم بلغة يفهموها. وقد يتعمد بعض الاحيان يرفدها بمصطلحات الاجنبية في محاضراته. ولما سأل عن ذلك قال لشد الطلاب الجامعيين من اجل يثقون بهذا الدين.

من معالم مدرسته انه كان معتدل. حتى حينما يتحاور في قضية العقيدة او فكرة على غير مدرسة اهل البيت يعدها باسلوب جيد بدون سباب او شتائم وجذب حتى المذاهب الاسلامية الاخرى و الديانات الاخرى. ولهذا نستطيع ان نقول بان هذا الجيل هو جيل الشيخ الوائلي. مرت بالعراق بالتسعينيات وقبلها من الكتاب وكان الناس ينتظرون ظهر كل يوم الى الاستماع الى راديو الجمهورية في ايران لمحاضرة الشيخ الوائلي. يقول احدهم اني كنت اتمشى في السوق الكبير في النجف من اول السوق الى اخره لم تفتني من كلمة الشيخ الوائلي يعني كل اصحاب الدكاكين كانوا يفتحون محاضرة الشيخ الوائلي. انا امشي والمحاضرة مستمرة. وقام نظام البعث انذاك بتشكيل لجنة خاصة للرد على محاضرات الشيخ وكشفت عنها بعد عام السقوط. كشفت المخابرات العراقية من هم  الشخصيات من العلماء والاساتذة من القيام يصنعوا طريقة على الرد على محاضرات الشيخ الوائلي لانها بدأت تنتشر انتشارا هائلا في المجمتع العراقي. ثبت الشيخ الوائلي الشعب العراقي على خط اهل البيت عليهم السلام الواعي الهادف خلال تلك الفترة العصيبة.

اذا هذا هو الشيخ الوائلي في عطاءه. النهج القراني الذي تميز به. استاذنا السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب قال كان قبل الشيخ الوائلي ناس يقرأون القران في مقدمة المجالس كالشيخ محمد علي اليعقوبي ولكن ليس دائما ولكن الشيخ الوائلي جعل من الاية القرانية نهجا متميزا.

الشيخ الوائلي كان معتدلا في طرحه للايات القرانية لانه كان يقرأ التفاسير كالفخر الرازي وغيره.

من كان له القابلية لرفع مدرسة الوائلي فليعمل. نحن على مستوانا البسيط قبل حوالي عشرة سنوات وفقنا بتأسيس معهد في النجف يحمل معهد للشيخ الوائلي للخطابة واستطعنا ان نخرج 19 دورة خطابية اخرها قبل ايام وكانت عبر العالم الافتراضي. لا استطيع اني ادعي اني قد عملت شيء. هناك شرطان للنهوض والتألق وهو الشرط الموضوعي اي جو للثقافة والكلمة مع الاسف هذا الجو غير موجود وثقافة الناس مشغولة على المواقع الالكترونية وكان الشيخ الوائلي امام نماذج راقية. المشكلة من هم الخطباء يعتبرون قدوة واني اسميهم خطباء الفيس بوك. هؤلاء لا تفسير ولا حديث ولا فكر اسلامي ولا بحث اصيل. يقرأ على الفيس بوك وينقل ما هو مثير. لماذا الشيخ الوائلي الى الان محاضراته مسترة لانها لحد الان هي المرجع كالكتاب.  المجالس المعاصرة لبعض الخطباء كالجريدة اليومية فانك لا تستفيد منها في اليوم الثاني.

محاضراته كلما استمعت اليها فانك تستفيد منها. كان الشيخ رجلا يعرف اصول الخطابة، يلاحظ الجوانب الفنية. محاضراته عبارة عن مائدة متنوعة، الشعر، القصص، الروايات، النكتة الخفية في بعض الاحيان بما يجعل المتلقي غير مبتعد عنه. الواقع الحديث عنه يطول.

لا بد ان اعيد ما قرأته في كتابة الراحل السيد عبد الزهراء الخطيب الذي كان قد كتب ان الشيخ الوائلي أنسى من كان قبله وسيتعب من يأتي بعده وقد تحققت هذه النبوة.

انا وامثالي نتعب اذا اردنا ان نكون كالشيخ الوائلي وسيتعب من يأتي بعده.

السيد مضر الحلو:MUDHAR

 

الحديث عن الوائلي مهم جدا.

حين نتحدث فانما نتحدث عن شخص انفرد في عالم الخطابة لمدة نصف قرن لم ينافسه او يماثله احد. حتى الآن فقد المنافس بل فقدالمماثل، وهذه قضية جديرة بالتوقف عندها. فكيف استطاع الوائلي الانفراد بهذه الخصائص؟

لم تأت هذه الهبة من الله للمرحوم الشيخ الوائلي اعتباطا، بل هي نتيجة جهد كبير كان يبذله واحترامه للوظيفة التي يقوم بها، كيف؟

نقل لي المرحوم الشيخ جواد الجنابي وهو من شخصيات النجف والحوزة العلمية وقد تتلمذ في الخطابة على ايدي الشيخ محمد علياليعقوبي. عندما سألته: لماذا تفوق وتميز الوائلي عليكم؟ قال: كان الوائلي هو الوحيد الذي كان يكتب محاضراته كاملة وقد اعدها سلفابشكل صحيح.

رأيت في احد الاماكن كان احد الخطباء يهييء المحاضرة قبل ساعة من القائها. فكيف يفعل ذلك؟ لهذا وغيره لم يستطيعوا منافسة الشيخالوائلي لانه كان يتعب نفسه لكتابة المحاضرة. اليوم بضغطة زر نحصل على الرواية التي نحتاجها، بينما في السابق كان الشخص يحتاجبحثا واسعا بيده، يحضر الكتاب ويقرأه حتى يحصل على المعلومة التي يبحث عنها. ومع ذلك لم يستطع احد منافسة الوائلي.

بعض ملامح مدرسة الشيخ الوائلي الخطابية:

لا بد ان يبقى الوائلي هو المسطرة، ومن لديه القابلية للتفوق عليه فسيصبح هو المسطرة. الظروف الان تختلف عن ظروف الشيخ الوائلي. الاننشهد هبوط كبير بالمستوى ووضعت مسطرات لا تصلح لشيء. اصبحت هي المعمول بها وليست مسطرة الوائلي بل اصبح الخطاب الواعيوالمسؤول محاصرا.

ربما لو جاء الوائلي الان لتنكر له الكثيرون لانه لا يهرج ولا يهاجم ولا يشتم الاخرين. فهذا النوع من الخطاب اصبح غير مرغوب فيه.

ابرز ملامح مدرسة المرحوم الوائلي:

الاول: ان هذه المدرسة انبثقت من رحم الحوزة.

فرق بين خطيب امي معرفيا وثقافيا لم يدخل الحوزة ولم يتخرج من مدارسها، فلا احاطة له بعلم الحديث ولا الفقه ولا اصول الفقه، راس مالهالوحيد الصوت الحسن وبعض القصص، وفي الحقيقة لا يستحق هؤلاء اطلاق صفة الخطيب عليهم بل يصح تسميتهم (قصاصين وليسواخطباء). مدرسة الوائلي انبثقت من رحم الحوزة العلمية. اما الآن فتسأل عن الخطيب: اين درس؟ ما مؤهلاته؟ لا احد يعرف. مجرد انه يفتشعن اشياء مثيرة على الانترنيت ويلقيها على مسامع الناس.

المدرسة الخطابية التي تتخرج من الحوزة تتميز عن بقية المدارس.

الثاني: لغة الشيخ الوائلي: اولا: محتشمة ليس فيها ما يخدش السمع، كلماته مختارة بعناية ولا تجرح احدا حتى من يختلف معه، لا يجرحالذوق العام، كلماته مؤدبة، تغري الطرف المقابل بقبول الفكرة.

الثالث: ان خطاب الوائلي بعيد عن التهريج، بل خطاب يعتمد الدليل. لذلك علم اجيالا كيف تؤمن بالدليل، فما قام عليه الدليل يقبله، وما لم يقمعليه الدليل يرفضه. اما تهريج ولعن وسباب كان ابعد ما يكون عنه.

الرابع: خطاب الوائلي يدعو الى التعايش. لم نسمع يوما ان خطبة له اثارت فتنة في المجتمع. كان يدعو الى التعايش السلمي والحوار وتقبلالآخر. ما زلت استذكر كلماته: الآخر مهما اختلف معي احترمه واحترم رأيه ما دام قائما على الدليل. كان يعتمد لغة الحوار للتواصل معالآخر المذهبي او الديني. وهي اللغة التي يتواصل بها مع الاخرين.

حتى الآن تذاع خطاباته، ولم نسمع انه قال كلمة يستفيد منها طرف للانتصار بها على الطرف الآخر. كانت كل كلماته موجهة لقبول الآخر. كيف يمكن ان نتعايش ان لم يقبل احدنا الآخر.

الخامس: كان خطابه بعيدا عن الغلو والمبالغات. بعض القصاصين يعتقد انه كلما ارتفع بائمة اهل البيت (ع) عن حالتهم الانسانية سما بهمالى الاعلى. بينما اهل البيت عظمتهم انهم بشر. اذا اوصلنا اهل البيت الى مرتبة الملائكة لا يبقى لهم فضل. اما ان يكون الامام انسانايتسامي فتلك قيمته. كان الشيخ الوائلي يرفض اسلوب الغلو الذي يفتح عليه افاق من النقد والرفض ويبتعد عن ذلك وكان ذلك واضحا فيخطابه.

اذا اردنا ان نتحدث عن خطاب الشيخ احمد الوائلي وسر نجاحه انه تعامل بجدية ومسؤولية مع الخطابة. نعم كان يرجو الثواب ولكن ذلك لميكن الغاية الوحيدة.

اتذكر انه كان يقول في احدى الجلسات بالشام في التسعينات: انا حتى الآن حينما اتوجه الى المنبر تحدث عندي حالة من الرهبة كالطالبحين يقدم على الامتحان. كنت اتصور ان ذلك يحدث لنا لاننا كنا مبتدئين وكنت اتصور ان الشيخ الوائلي تجاوز هذه الحالة. كان يتعاملبجدية مع المنبر وليس كما يتعامل البعض الآن من تهريج وغلو والانحدار الذي حصل في المنبر الحسيني.

البعض يعتقد ان المنبر اليوم في احسن حالاته. بينما المرجعية العليا تصدر بيانا خاصا عند حلول محرم فيه توجيهات للخطباء: تجنبواالخرافة، تجنبوا اثارة الفتنة الطائفية. الشيخ الوائلي كان كصمام الامان للمنبر الحسيني.

نسأل الله ان يتغمد الشيخ الوائلي بواسع رحمته وان يوفقنا للسير على هداه وان تبقى هذه المدرسة مشعة.

انا لا ادعو للتوقف عند الشيخ الوائلي او ان يكون القمة التي لا يمكن تجاوزها.

البعض يدعو لاستنساخ خطب الشيخ الوائلي واعادة القائها. لا يا أخي: الشيخ الوائلي انما تألق لانه خاطب زمانه وظروف المجتمع انذاك.

اليوم نواجه تحدي انهيار القيم في المجتمعات، والانفتاح والتوفر الهائل للمعلومة. كان الخطيب يعتبر المصدر الاول للمعلومة. الان ما عادالامر كذلك واصبحت المعلومة متوفرة عن طريق الانترنيت.

ابناؤنا اصبحوا يواجهون تيارات فكرية خطيرة، وهي متوفرة في غرفهم كل حين. منظومة التربية اختلفت الان. انها تحديات مختلفة عنالتحديات التي كانت في ايام الشيخ الوائلي: ادعو ان يكون خطاب الشيخ الوائلي المنهج الذي يسير عليه خطباء اليوم. الخالي من الغلو.

Facebook Comments

You may also like

مشاهد من سيرة الإمام المجتبى (ع) بعد وفاة رسول الله (ص)

كلمة القيت في مؤسسة الابرار الاسلامية عبر العالم