القوامة الدينية في خطاب السلفية

القوامة الدينية في خطاب السلفية

- ‎فيصدر حديثا
39
0

5dd3b2e6a4171446942200صدر عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات” في بيروت كتاب “القوامة الدينية في خطاب السلفية” للباحثة والاعلامية رباب كمال تحت إشراف الباحث في الفكر العربي الإسلامي وقضاياه التاريخية والراهنة، د. نادر الحمامي، الأستاذ المساعد بـ(جامعة قرطاج).

وتقول رباب كمال في مقدمة الكتاب: ولا شك في أن القوامة في خطاب السلفية تصاعدت وتيرتها في العقود الماضية، وأصبح لها أثرٌ في “تسلف” الثقافة الجماهيرية. ولضبط المصطلحات تراءى لنا أن نستخدم كلمة “أثر”؛ لأنّ سلفنة الثقافة العامة لها أسباب متعددة ومتشابكة، ولا يمكن اختزالها في جانب أوحد، ولكن نختص هنا في بيان أثر الخطاب السلفي على العقل الجمعي للجماهير، وهو خطاب يستخدم مفردات من القرآن والسنة حتى وإن اختلفت التأويلات.

لقد آن الأوان ليفكر الباحثون والجامعيون في استراتيجية خطاب جديدة حول الإسلام السياسي تتخلّى عن التعقيدات الأكاديمية، ولكن من دون الإخلال بالمعرفة والسقوط في الإسفاف والتبسيط المخلّ، في الآن نفسه، للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وتكشف لهم، بخطاب سهل ومباشر وعلمي أيضاً، مخاتلات الإسلام السياسي عبر تفكيك مفاهيمه وقواعده النظرية والمعرفية.

إن هذا التصور، في تقديرنا، هو من أصعب ما يمكن للباحث الإقدام عليه، فليس من السهل مطلقاً تبسيط المعرفة، وتفكيك المعقد، وتحريك ما يعدّ ثابتاً في أذهان عامّة الناس وفي عقول غير المتخصصين، ولكن كذلك مواجهة من هم محسوبون على المجموعة العلمية، ولكنهم يخدمون مقولات الإسلام السياسي عبر تغليف ما يكتبون وينشرون ويذيعون بغلاف علمي أكاديمي خدمة لدوائر سياسية غدت معروفة اليوم.

يحاول البحث أيضاً بيان بعض المقاربات بين السلفية والمؤسسات الحكومية الدينية، كما يولي البحث المقاربة ما بين السلفية والتشريعات الحكومية اهتماماً، خاصة في قضايا محاكمات الفكر، التي وصلت إلى حدّ تبني جامعة الدول العربية مشروع قانون لأحكام الردة.

ونلقي هنا الضوء على التباين الشائع بين التيارات السلفية العلمية والجهادية، أو الجامية والسرورية أو سلفية الولاة وسلفية الغلاة، الذي يقع في إطار الاختلاف الاستراتيجي أكثر منه اختلافاً فكرياً محورياً. فالسلفية ليست كتلة صماء، بل هي سلفية متنازع عليها ما بين السلفيين أنفسهم، كلٌّ يسعى لصحيح السلفية.

على الرغم من الاختلاف في النهج والتنفيذ، والموقف من الحكام، إلا أن هناك ثمة مقاربات بينهما، مثل رؤيتهما لقيم المواطنة والحريات التي يرونها أشبه بالقوانين الطاغوتية، بسبب مخالفتها حكم الله.

وتقول “كان السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: السلفية دخيلة على المجتمع أم أنّ النخب انعزلت مجتمعياً إلى درجة الانفصال عن الواقع؟!

تقسم كمال كتابها إلى أربعة أبواب: أولها الفكر المؤسس للسلفية، ثانيها السلفية في ميزان الصحوة الإسلامية، ثالثها السلفية المعاصرة ومبدأ المواطنة الطاغوتية، وآخرها السلفية الجهادية وتطويع الألفاظ القرآنية لخدمة الغزوات المعاصرة.

وتنبه كمال إلى أن ما يعرف باسم الربيع العربي ساهم في زيادة المساحة التي تتحرك فيها السلفية، فانتقلت بعض التنظيمات السلفية من العمل الدعوي إلى العمل السياسي، وعلى جانب آخر ازدادت شوكة السلفية الجهادية في المناطق التي تأثرت أمنياً إبان موجة الثورات العربية. وقد تعامل الإعلام العربي – دون تعميم – مع السلفية تباعاً من منطلق ظاهرة الفقاعات، أي عَدّها ظاهرة حديثة غير مؤصلة، وسيطرت على الإعلام مصطلحات تنم عن القراءة السطحية، مثل عبارة الهجمة الوهابية على البلاد العربية، دون التأصيل والنظر إلى جذور السلفية في الفكر الإسلامي أو مدى انتشارها الفعلي بين القواعد الجماهيرية. فهذه الجذور مثلت البيئة الحاضنة التي سمحت للمد السلفي التوحيدي الوهابي بشق طريقه، بما توافر له من أموال الفورة النفطية، أي أنّ البيئة في نواتها الأولى كانت مهيأة. المعضلة الأكبر للسلفية هي القواعد الجماهيرية ذات الهوى السلفي، وتختلف هذه القواعد من بلد إلى آخر، لهذا نجد أنّ السلفية تنشط كلّما وجدت ظهيراً شعبياً يؤازرها.

وتشير إلى أنه ربما تختلف السلفية المؤيدة للسلطة والمعارضة لها، بحيث ترى الأولى أن الحكام ليسوا من الطواغيت، وعلى العامة طاعة أولي الأمر منهم، بينما ترى الثانية أن الحاكم بغير أمر الله يعيد إلى أمة الإسلام زمن الجاهلية، إلا أن بينهما قاسماً مشتركاً، ألا وهو رؤيتهما للمجتمع الذي لابد ألا يترك لهواه، ومواقفهما من المفكرين أو المدافعين عن الدولة المدنية تكاد تكون متطابقة. وتستغل السلفية المؤيدة لأي سلطة عربية حزمة القوانين التي تتيح لها فرصة تحريك القضايا القانونية مثل قضايا ازدراء الأديان ضد الأدباء والمفكرين والفنانين، متسلحين بشحذ همم العامة من الجماهير بهدف نصرة الإسلام، وغالباً ما توائم السلطة مصالحها مع التيارات السلفية المؤيدة لها التي لا تخرج عن دورها أو الحدود التي لا يجب أن تتخطاها. سواء أكان ذلك في بلد تحكمه السلفية بشكل مباشر كما السعودية أم بلد تحكمه الشريعة الإسلامية برؤية مختلفة عن السلفية مثل مصر والمغرب، فمصر تعلن كثيراً عن ضرورة تجديد الخطاب الديني، وتؤكد على دور المثقف في هذا الإطار، إلا أنّ المثقف قد يواجه بقانون ازدراء الأديان من السلطة ذاتها التي تدعوه لتجديد الخطاب الديني والاجتهاد في تنوير العقول.

وتخلص كمال إلى أن تناول الإعلام والنخب المثقفة – دون تعميم – مسألة السلفية بشيء من التمنيات بالزوال، وخاصة في مصر، بعدما سيطر الجيش على سدة الحكم من جديد. لم تهتم كثيراً تلك النخب – دون تعميم – بمشكلة تسلف الثقافة والتعليم والمؤسسات الحكومية بل تسلّف بعض منظمات المجتمع المدني. كما رأت هذه النخب أنّ المواجهة المباشرة مع السلفية من خلال المناظرات التلفزيونية هو سبيلها للمواجهة، وبكلّ تأكيد استفادت البرامج التلفزيونية والمدونات الرقمية وصفحات التواصل التنويرية، التي تسعى لنشر ثقافة التعددية الثقافية والدينية، من التحولات التي أتاحها الإعلام الرقمي، إلا أنّ الاستراتيجية في التعامل مع تغلغل الفكر السلفي في القواعد الجماهيرية مازال غائباً عن المجتمع المدني بداية من تطويع القوة الناعمة انتهاءً بتبني المشاريع التنموية، حتى لا تنفصل تلك النخب عن القواعد الجماهيرية، ودون أن يغيب عنها أنّ الاقتصاد هو من المحركات الأولى للشعوب. وعليه قد تتبنّى هذه النخب، في إطار مواجهتها للسلفية، بعض القضايا التحررية التي لا تهم القطاعات العريضة من الجماهير. هذا لا يعني التخلي عن قضايا الحقوق والحريات والمساواة، فهذا أمر لا مفرّ منه، لكن يعني احتياج النخب إلى رسم خطوط متوازية للعمل والاشتباك الجماهيري في مسائل تنموية على مستوى أكبر. وهو ما قد يتطلّب عقوداً طويلة ليأتي بمردوده.

Facebook Comments

You may also like

اكثر من 200 دولة بالعالم تعيش حالة ذعر!

اكثر من مئتي دولة في العالم تعيش حالة