العالم الافتراضي يسلب المتقاعسين اعذارهم

العالم الافتراضي يسلب المتقاعسين اعذارهم

- ‎فيمقالات, مقالات
139
0

topics_saeed_alshehabiد سعيد الشهابي

اذا كانت اعتبارات المسافة والتنقل وضيق الوقت من الاسباب التي يتذرع بها الكثيرون لتبرير عدم انخراطهم في العمل العام، سواء الاسلامي ام الاجتماعي، فان الظروف التي فرضتها جائحة كورونا قد احدثت تغيرا في الظروف عامة. وعلى مدى الشهور الاربعة الماضية انتشرت ظاهرة اقامة الاجتماعات واللقاءات والعديد من الانشطة البشرية في الفضاء الافتراضي. فبعد ان تعطلت الانشطة العامة واغلقت دورالعبادة واغلقت المدارس والجامعات وتوقفت كافة انشطة الحياة فتح العالم الافتراضي ابوابه للقاءت والانشطة العامة، وتغيرت الظروف الى الافضل في بعض الحالات. اليوم تعقد الندوات والمؤتمرات بشكل منتظم، بحضور عدد من لابأس به من المشاركين. بل ان الدائرة توسعت فاصبح بامكان منظمي الفعاليات الاستفادة من خبرات العلماء والمفكرين من بلدان اخرى بدون اية مشقة. فمثلا منذ مطلع شهر رمضان المبارك استعادت مؤسسة الابرار نشاطها وبدأت بتنظيم الندوات الاسبوعية بشكل منتظم. وبدأ روادها يتعرفون على طرق المشاركة بعد ان  تعددت خيارات الغرف التي تستضيفها. وتسابقت شركات الانترنت لاستضافة الاجتماعات، في الوقت الذي عمدت الشركات لتشجيع موظفيها على العمل من منازلهم بعد ان تعذر حضورهم المكاتب بسبب التباعد الاجتماعي وسياسات الحظر. وفجأة تغيرت الحياة واصبح “المعتاد الجديد” مختلفا عما كان مألوفا.

هذه التطورات فرضت واقعا جديدا على العالم، ومن بين مكوناته الانشطة والفعاليات الاسلامية. فاصبحت الفعاليات في العالم الافتراضي تشد اليها وجوها جديدة نظرا لسهولة استخدام التكنولوجيا التي تننظمها. فاصبحت الندوة التي تعقد في لندن مثلا تستقطب متحدثين ومشاركين من بلدان اخرى بسهولة. وهكذا اصبح هناك نمط جديد من “العولمة” الفكرية والاجتماعية، وتلاقح في الافكار بما يؤدي لتنسيق الافكار والمواقف والتوجهات. لذلك لم يعد هناك اعذار لمن يتخلف عن دوره الانساني او الاسلامي او الاجتماعي. فاذا كانت ثقافة التقاعس والانعزال قد حالت دون مشاركة الكثيرين في الشأن العام، فان تجربة الشهور الاخيرة كشفت مدى جدية الاعذار التي يقدمها المتقاعسون لتبرير انعزالهم وتخاذلهم. اصبح عالم الدين او المفكر او الناشط الذي يعيش قادرا على المشاركة في الشأن العام بسهولة. كما ان الذين يتقاعسون عن المشاركة في الحياة العامة محاصرين بحقائق الواقع الجديد، ولم يعد هناك ما يبرر انزواءهم او الاستمرار في العيش على هامش الحياة. فالتعليمات السماوية تفرض على المؤمنين ان يكونوا فاعلين في حياتهم وان لا يتخلفوا عن اداء الواجب الذي يفرضه عليهم انتماؤهم للدين الالهي. الحراك المطلوب من الانسان المؤمن بربه ضرورة لتفعيل دور الاستخلاف الذي اراده الله للانسان. هذا الاستخلاف لا يتحقق باللامبالاة او الانزواء او ترك الامور على عواهنها، بل مطلوب من خليفة الله على الارض ان يكون ديناميكيا يهدف لنشر الحق والعدل والايمان على الارض، وهذا لا يتحقق الا اذا قام الانسان بدوره كاملا غير منقوص.

لقد احدث وباء كورونا انقلابا كبيرا في الحياة الانسانية، وسوف يستمر ما فرضه من حقائق في واقع الانسان في المستقبل المنظور خصوصا مع عدم التوصل الى امصال الوقاية او العلاج منه. واصبحت الظروف الجديدة مؤاتية لانخراط الجميع في مشروع التغيير الهادف لتفعيل دور الاستخلاف المنوط بالانسان على الارض. مع ذلك يمكن ملاحظة عدم استيعاب هذا الدور من قبل الكثيرين الذين ما يزالون خارج مشاريع العطاء والمشاركة والتضحية. فبرغم سهولة المشاركة في العالم الافتراضي الا ان من اعتاد عدم المشاركة في الحياة العامة يجد تغيير نمط سلوكه وتفكيره صعبا. والحقيقة ان مثل هؤلاء اعتاد حياة الهدوء وعدم العطاء والاحجام عن دور الاستخلاف الذي فرضه الله عليه. انها حقا فرصة جيدة امام المنتمين للعقائد الالهية لاعادة التفكير في مدى فعالية دورهم واستعدادهم لاداء دور الاستخلاف المنوط بهم. والامل ان يندفع المحجمون عن العمل والعطاء للتفكير في واجبهم والتخلي عن المشاعر الانانية واللامبالاة، فذلك لا ينسجم مع اولويات العقيدة.

 

Facebook Comments

You may also like

اكثر من 200 دولة بالعالم تعيش حالة ذعر!

اكثر من مئتي دولة في العالم تعيش حالة