قيم الأخوة و أدب الإختلاف في القرآن و السنة

قيم الأخوة و أدب الإختلاف في القرآن و السنة

- ‎فيفكر إسلامي, مؤتمرات وندوات
41
0

كلمة القيت في مؤتمر منتدى الوحدة الاسلامية الثالث عشر الذي اقيم عبر العالم الافتراضي 3-4 يوليو .2020asherof

الشيخ نفيع الله عشيروف – مفتي المسلمين في القسم الاسيوي في روسيا الاتحادية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنباء و المرسلين، سيدنا ونبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين و بعد:

السيد الرئيس

أصحاب السعادة و المعالى

أصحاب السماحة و الفضيلة

السادة الحضور والسيدات

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، و بعد:

لا شك أن الاختلاف في بعض المسائل سنة كونية من سنن المولى عز وجل و منها اختلاف قوميات و ألوان البشر، وفى الأحزاب السياسة المتعددة ، وفي المذاهب الفقهية التي تعدد فيها الآراء في المسألة الواحدة ، وكذلك في تتعدد الحركات الإسلامية العاملة للإسلام .

و نويت أن أتحدث هنا بأهمية حفاظ الأخوة و الاحترام بين المسلمين مع وجود اختلفات في الآراء والأفكار، بغض النظر عن إنتمائنا المذهبية أوالحزبية أوالسياسية.

ان الأمة الإسلامية اليوم في حاجة كبيرة إلى توحيد صفوفها و ترسيخ وحدتها، خاصة في الوقت الذي نشاهد فيه حملات إعلامية ضد الإسلام و المسلمين، والحروب الظالمة التي تهدف تفكيك صفوفنا واضعافنا أمام تحديات التي تواجهها الأمة الاسلامية.

و لمواجهة هذه التحديات التي نمر بها دولا وأحزابا وأفرادا يتطلب منا، و خاصة من قيادات سياسية و علماء الأمة بذل كل ما في وسعهم لتوحيد الصفوف وتوطيد العلاقات بين الدول الاسلامية و تعاونها لصد هذه الحملات العدوانية في شتى مناطق العالم و خاصة في فلسطين المجاهدة.

و هذه المسؤولية كبرى، كما جاء في الحديث عن صلى الله عليه وسلم:

 (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ….)

و من المعلوم أننا كثيرا ما نقول بأن القرآن هو دستور المسلمين جميعا وفي كتاب الله عزوجل، وفي سنة رسول الله عليه السلام نرى عددا كبيرا من النصوص التي تدعوالمسلمين إلى الوحدة و الأخوة، بل ديننا الحنيف يجعله شرطا لصحة عقيدة المسلم .

الله تبارك و تعالى يقول:{إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون}. وأيضا يدعو عز و جل إلى اعتصام المسلمين بكتابه العزيز كما ينهى عن التفرق و التشتت، و يقول: {واعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا}

ويصف المسلمين بخير الأمة، و ذلك على وعيهم الإسلامي المتفتح و دعوتهم إلى الخير والمصلحة للجميع، و يقول: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله}.

من المعروف ان الدين الإسلامي جاء مع كل القيم الإنسانية والتربوية لأجل بناء المجتمع الانساني خالي من الشوائب التي تؤدي إلى زعزعة أركان الاستقرار وانتشار الظلم والعدوان والنزاعات. وينبني ذلك على قاعدة أساسية التي تنبع من تعاليم القرآن الكريم ووصايا نبينا صلى الله عليه و سلم الذي يعتبره اي مسلم قدوة له في كل مجلات حياته و معاملته بين المسلمين و غيرهم، ونرى ذالك لقوله عليه السلام: {كلكم لآدم و آدم من تراب}.

و هذه القيم الدينية غرست في نفوس المسلمين الأولين اللطف والأخوة والعدالة والأمانة والحب، كما مكنت هذه الصفات الحميدة للمسلمين الأوائل من بناء دولة إسلامية عظيمة التي بدأت بفرد واحد وهو الرسول الأعظم – عليه الصلاة والسلام- الذي تمكن من تأسيس دولة عظيمة ذات شأن كبير التي جذبت الكثير من الشعوب والقبائل إلى الإسلام حتى ربط قلوبهم بحب الله عز و جل وحب رسوله الكريم و حب المسلمين.

لقد أدت كل هذه العوامل إلى ظهور مجتمع آمن ومزدهر يعمه السلام والخير للمسلمين وغيرهم من الأقوام التي عاشت معهم داخل إطار الدولة الإسلامية في ظل القوانين الربانية العادلة والحكيمة.

 إنني أعتقد أن التقريب بين المسلمين لا يمكن أن يتم إلا بالحوار الصحيح الذي يستخدم منهجا سليما مبنيا على أسس كتاب الله و وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وإذ لا نبني أساليب الحوار بين المسلمين على هذا الأساس المتين والصحيح، فسوف لن ننال على أي نتيجة مؤثرة على حياة المسلمين و دولهم من جانب السياسي و الأمني والاقتصادي والاجتماعي، كما نرى ذلك اليوم.

 إن اهتمام المسلم بفكرة الوحدة الإسلامية والأخوة بين المسلمين، اليوم أصبح من مقاييس ايمانه لله تعالى و حقيقة اخلاصه لهذا الدين الذي أعزنا الله به.

و الله سبحانه و تعالى أمرنا بالأخوة حيث قال: {إنما المؤمنون إخوة}، كما يعتمد هذا المنهج على سنة رسولنا صلى الله عليه و سلم  الذي دعانا في أحاديثه الكثيرة إلى تثبيت روح الوحدة و جمع الكلمة، وحرم الفرقة و التشتت و العدوان، كما جاء في صحيح مسلم  قوله عليه السلام: {كل المسلم على المسلم حرام، دمه و ماله وعرضه}.

 وماذا يريد المسلم أكثر من هذا الأمر ليعترف بحق المسلم لحب أخيه المسلم، وكل هذه الإرشادات تدعو إلى وحدتنا، رغم وجود بعض الاختلافات الفرعية التي ليس من الممكن أن تكون هادمة لبنية هذه الأمة، والتي مثلها رسول الله – عليه السلام- بالبنيان الذي يشد بعضه بعضا ولا يهدمه، ولا يضعفه، ولا يعتدي عليه ظلما و قهرا ، كما يحدث ذلك – للأسف – في عصرنا هذا بين الدول الاسلامية و أهل قبلة واحدة و كتاب واحد.

وفي فجر الإسلام،  من بداية الدعوة الإسلامية، كان يدعو رسولنا الكريم- عليه الصلاة و السلام – إلى وحدة المسلمين جميعا دون استثناء، و نرى ذلك في قوله عليه وسلم الذي رواه  أنس رضي الله عنه : {من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا و أكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله و ذمة رسوله فلا تحفروا الله في ذمته} رواه البخاري.

وقد قال أيضا صلى الله عليه وسلم: {من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقد حقن دمه وماله وعرضه}، وهذا دليل ثابت على أن المسلمين إخوة في كل زمان و مكان، ولا مبدل لهذا القانون الإلهي أبدا.

 وفي عصر العولمة،  يبحث العالم الإنساني ممن ليس بالمسلمين  عن طرق لإيجاد أرضية مشتركة للتعايش السلمي بين بني آدم، و هذا مع إختلاف أديانهم وألوانهم وأهدافهم و أتجهاتهم السياسية، و نحن كمسلمين أولى أن نكون أمة واحدة، وخاصة  أمام العدوان الذي يواجهه اليوم العالم الإسلامي.

 وذلك عندما نجد ظاهرة الاختلاف في بعض المفاهيم الإسلامية، والاجتهادات الفقهية، أو في تفسيرهم سواء على المستوى الفكري والنظري أو على المستوى السياسي والاجتماعي علينا أن نلجأ إلى لغة الحوار بدلا من شتم و تباغض و تكفير.
ومن واجب علماء الإسلام  والدعاة المسلمين أن يفهموا و يبثوا لأتباعهم  نظرة الإسلام في أهمية وحدة المسلمين مع حقوقهم ومسؤولياتهم المشتركة  أمام الله و الامة الاسلامية جمعاء.

فإن تذكر المسلم هذه القواعد الإلهية لتجنب كل البعد من التكبر، والظلم، وتكفير وإباحة دماء المسلمين، لأن ضميره من البد أن يكون مرتبطا بالدين والخالق، و من البد أن يكون ضميره هاديا للرشد،  والمحبة، والسلام مع بني البشر عامة، و مع أخيه المسلم خاصة، و جاء عن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم: {المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده}.

ومهما اختلفنا نحن المسلمين في بعض المسائل فإننا لا بد أن نلتقي في بعضها لتوثيق الخيوط الأخوة التي تقربنا من محبة الله ورضاه ويمكننا من دفاع عن مصالحنا الأمنية والسياسية و الاقتصادية و الاجتماعية المشتركة، وحماية عقيدتنا الدينية و مقدساتنا الإسلامية أمام عصبة الأعداء الظالمين الذين يحتلون بلادنا و يهدمون مقدساتنا و ينهبون ثرواتنا، ويعملون ليلا و نهارا  لتشويش عقول شبابنا لحرمانهم السعادة والحرية.

 وان التعاون الحقيقي بين المسلمين الذي يدعو إليه الإسلام يجب أن يهدف إزالة الشكوك والخلافات والمواجهات الهدامة التي قد أدت إلى إضعاف قوة الامة و احتلال أراضها، و دون تطبيق أوامر الله تعالى التي تدعو إلى وحدة المسلمين لا نقدر أن نضمن أداء دورنا في هذا العصر – عصر العولمة والتكتلات السياسية والعسكرية والاقتصادية الكبرى فيما بين الدول الغربية.

و لذلك من الواجب علينا أن نكثف دعوتنا إلى التعارف والتضامن والتعاون الإسلامي بكل الوسائل المتاحة ومن كل المنابر، لزرع الأخوة  في أوساط الناس والمجتمعات والدول الإسلامية المفهوم الحقيقي عن البر والتقوى والأخوة، والإنسانية لنقف صدا صلبا أمام جهود الأطراف العدوانية التي تفسد في الارض و تنشرالفساد والإثم والعدوان، و كل المنكرات التي حرمها الله

و هنا لا نقول عن بذل جهود العلماء لإقناع بعضه البعض في المسائل الخلافية التي موجودة بين الدول المسلمة والتيارات الفكرية و الاحزاب الإسلامية، بل نتكلم عن ترك الخلافات و تركيز دعوة المفكرين و علماء الإسلام على ضرورة وحدة المسلمين في مجالات ذات الاهتمام المشترك و المصالح الإسلامية العامة: كالدفاع عن حقوق المسلمين وحرياتهم الدينية والاقتصادية والسياسية، والدفاع لأجل استقلالية بلاد المسلمين و سيادتها على أراضيها وثرواتها في ضوء الشكل الجديد لاستعمار الدول الاسلامية.

و في الحقيقة نخن كمسلمين نقف نقف اليوم على الهاوية في صراعٍ شديد لا غالب فيه ولا مغلوب، والمستفيد الوحيد منه هو عدو الدين والانسانية من الصهاينة، وأعوانهم و لذلك ليس لدينا أي طريق آخر إلاّ أن نتحاور فعلا بحوار صادق أخوي الذي يرسخ مفهوم الوحدة الإسلامية في كل شيء، ونسعى أن يعرف بعضنا البعض ونتعرف بعيدا عن كل ما يعكر الوحدة الإسلامية، و على أساس نبذ التعصب و الذي يؤدي اليوم إلى خلافات كثيرة، إتباعا لقوله صلى الله عليه و سلم: {لا تقاطعوا، و لا تدابروا، و لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا إخوانا كما أمركم الله}. صحيح مسلم.

وختاما أود أن أشكر الله سبحانه و تعالى ومن ثم منتدى الوحدة الإسلامية و رئاستها و كل الأطراف الأخرى التي قامت بجهود لينجح هذا المؤتمر الهام الذي يدعو المسلمين إلى ترسيخ قيم الأخوة، خاصة في هذا الوقت الصعب في ضوء الأحداث التي غيرت الحياة المعتادة.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،،، و السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

 

Facebook Comments

You may also like

مشاهد من سيرة الإمام المجتبى (ع) بعد وفاة رسول الله (ص)

كلمة القيت في مؤسسة الابرار الاسلامية عبر العالم