همساتُ فكرٍ كونيّة… وجود الله رهين الأخلاق

همساتُ فكرٍ كونيّة… وجود الله رهين الأخلاق

- ‎فيمقالات ساخنة
4505
التعليقات على همساتُ فكرٍ كونيّة… وجود الله رهين الأخلاق مغلقة

عزيـز حمــيد الخـــزرجيّaziz

(فيلسوف كـونيّ)

يُعتبر (ديفيد هيوم) و(رينيه ديكارت) و(إيمانوئيل كانت) أعمدة النّهضة الحديثة التي بدأت منذ القرون الوسطى عبر ثلاثة مراحل لتحقيق الجّانب المدنيّ والحضاري بعد ثورة (ألرّينوسانس) ورغم إعتقاد الناس بخلاصهم من ظلم الكنسيّة مع النظام الملكي أو الثيوقراطي؛ إلّا أنّ وقوعهم اليوم أسرى بيد المنظمة الأقتصادية العالمية رويداً رويداً بسبب فخّ الدّيمقراطيّة المُستهدفة لأنتخاب حكومات مُوالية لتحقيق أهدافهم؛ تكشف حقيقة المظالم التي لم ينتبه لها النّاس بسبب الجهل و الفراغ الفكريّ الذي تركه الفلاسفة أنفسهم في مسألة فلسفة القيم, حين ركّزوا على الجّانب الماديّ خارج مدار الدِّين – العرفانيّ لا التقليدي، الّذي إعتبروه بالخطأ سبَبَاً للتّخلف بسبب تسلط الكنسية والفؤداليست ثمّ البرجوازية إبان القرون الوسطى, لذلك كان سقوطهم في أحضان المنظمة الأقتصاديّة العالمية اليوم مسألة حتميّة أكثر بؤساً وخطراً مِمّا كانَ عليه الوضع قبل ذلك بسبب أستخدام التكنولوجيا والحروب والمال سندأً لمصالحهم الأقتصاديّة!
ورغم إعتراف (كانت) علناً بقوله؛ [أنّ (هيوم) صاحب نظريّة (الشّك) قد أيقضني من سباتي]؛ إلّا أنّ (كانت) يُعتبر بنظري رائد النهضة الأوربيّة بلا منازع بإستثناء فشله وأقرانه في طرح نظريّة كونيّة لأسباب زمكانية، ربّما كانت مشيئة الله لجعلها بإسمي بعد مرور 3 قرون بعد أنْ إكتَمَلَت تلك الأطروحات الفلسفيّة الأحاديّة الجانب إبان العصور الفلسفيّة الخمسة حتى إعلان فلسفتنا مع بدء الألفية الثالثة، لكن الأجمل الذي كشفه (كانت) في فلسفته، هو إعتقاده بأنّ [المعرفة نتاج العلاقة بين الذّهن والأحساس في زمكاني مُعَيَّن]، لذلك إتّخذتْ فلسفتهِ من (العقل والأدراك) أصلاً لكلّ الفلسفة على مذهب (هيوم) وحاول تطبيق الأشياء عليها وليس العكس كما ادّعى الفلاسفة من قبله، وبذلك أبْطَلَ البراهين التقليديّة التي ما زالَ بعض العُلماء يعتقدون بها، مُعتبراً كُلّ الأدلة الواردة حول إثبات (الله) ليست تامّة وليست حُجّة، ومن المستحيل (إثبات أصل الذات – الدّليل الوجوديّ – الذّهنيّ أو بقاء النفس أو الأختيار) عن طريق الأستدلال العقليّ، لذا حين لا يكون الذّهن والوجود دليل كافٍ على الله، فلا بُدّ من وجود دليل ثالث وهو الأخلاق!

فما هو الأخلاق التي تكون مقدمة للتّدين ولوجود الله؟
هي التّحليّ بالفضائل الحسنة – بعد التّجرّد من الخبائث والتّحلي بالطيّبات – وبعدها نكون مُتديّنيّن، وهذا يعني بطلان إدّعاء الدِّين مِنْ أيِّ كان حتى لو كان شعباً وهو لم يُهذّب أخلاقهُ وسيرته بتطهير ذاته من النّفاق والكذب والنّميمة والفساد والتكبر، وبالتّالي وبحسب نظر هذا الفيلسوف الكبير يُعتبر كلّ مُتديّن لم يُزكيّ نفسه ولم يعرف حدودهُ وروح رسالته السّماويّة – كلّ الرّسالات لا فرق – خارج عن التّديّن والدِّين!
ومجمل هذه الفلسفة تتوافق مع النّبأ العظيم على لسان الخاتم (ص)؛ [إنّما بُعثّتُ لأتمّمَ مكارم الأخلاق].
هكذا اعتقد (كانت) بأنّ الأخلاق(1) هي التي تصنع الدِّين، والعقل العمليّ(2) هي التي تصنع الأخلاق والتي بها يكون الله موجوداً في الأرض من خلال الملتزمين بها!
خلاصة نظريّة هذا الفيلسوف هي: [بدون اعْمالِ الأخلاق في الحياة يغدو كلّ ما يتظاهر به ويدّعيه أو يُمارسه الأنسان في مرضاة الرّب زَعْمَاً دينيّاً وعبوديّةً كاذبة ومُفتعلة]، و هذا هو حال المُدّعين اليوم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأخلاق؛ هي دراسة معياريّة للخير والشّر تهتمّ بالقيم المُثلى، وتصلُ بالإنسان إلى الارتقاء عن السّلوك الغريزي بمحض إرادته ألحرّة؛ بعكس الّذين قالوا؛ بأنّ الأخلاق ترتبط بما يُحدّدهُ ويفرضهُ الآخرون، وترى أنّها تخصّ الإنسان وحده، ومصدرها ضميره ووعيه، ويعتقد أفلاطون بأنّ الأخلاق تتمثّل في كبح شهوات الإنسان، والتّسامي فوق مطالب الجسد بالالتفات إلى النفس والرّوح وتوجيههما لتحصيل الخير والمعرفة ومحاربة الجهل، أمّا (الأخلاق) بنظر الأنبياء وأئمة المسلمين (ع)، فإنّها تُوجه عقل وروح الأنسان لأن تحفظ في النهاية الكرامة الأنسانية، من خلال القول والفعل والنيّة، ولهذا يمكن إعتبار تعريف (أفلاطون) ثمّ (كانت) و(شوبنهاور) وغيرهم: بأنها خلاصة ما جاء به العرفاء والأئمة والأنبياء وهي (إتمام مكارم الأخلاق)، لكن مع فاصل الزمن بين الفئتين.
(2) العقل النظري والعقل العملي، مصطلحان يجري استخدامهما في بعض العلوم؛ فالعقل العمليّ في اصطلاح المناطقة هو المعبَّر عنه (بالحسن والقبح) عند المتكلّمين، والمعبَّر عنه (بالخير والشرّ) عند الفلاسفة، والمعبَّر عنه (بالفضيلة والرّذيلة) في اصطلاح علماء وأئمة الأخلاق، أما المراد من العقل النظري فهو العقل المُدرك للواقعيات التي ليس لها تأثير في مقام العمل إلاّ بتوسّط مقدّمة اخرى، كإدراك العقل لوجود الله، فإنَّ هذا الإدراك لا يستتبع أثراً عملياً دون توسّط مقدّمة اخرى كإدراك حقّ المولويّة وانَّ آلله هو المولى الجدير بالطاعة، والمراد من العقل العمليّ هو المُدرك لما ينبغي فعله وايقاعه أو تركه والتحفّظ عن ايقاعه، فالعدل مثلا ممّا يُدرك العقل حُسنهُ وانبغاء فعله والظلم ممّا يُدرك العقل قبحه وانبغاء تركه، وهذا ما يُعبِّر عن إنّ (حسن العدل وقبح الظلم) من مُدركات أو بديهيات العقل العملي وذلك لأنَّ المُمَيّز للعقل العمليّ هو نوع المدرَك فلمَّا كان المُدرك من قبيل ما ينبغي فعله أو تركه فهذا يعني انَّه مدرك بالعقل العمليّ هذا ما هو متداول في تعريف العقل العملي، وجاء السيد الصدر بصياغة اخرى لتعريف العقل العملي وحاصلها؛ إنَّ العقل العملي هو ما يكون لمُدركه تأثير عملي مباشر دون الحاجة لتوسّط مقدّمة خارجيّة.

Facebook Comments

You may also like

نشرة الابرار