تطور المنبر الحسيني

تطور المنبر الحسيني

- ‎فينشاطات المؤسسة
1559
التعليقات على تطور المنبر الحسيني مغلقة

بمناسبة قرب حلول شهر محرم الحرام أقامت مؤسسة الأبرار الإسلامية ندوة تحت عنوان: “تطور المنبر الحسيني عبر التاريخ” تحدث فيها الباحث المشارك في دائرة المعارف الحسينية الدكتور نضير الخزرجي. كان ذلك يوم الخميس 2 ديسمبر 2010 وأدار الندوة وقدم لها الشيخ حسن التريكي.

المقدمة:
يحل علينا بعد أيام شهر محرم الحرام وهو شهر الحسين، شهر التضحية والفداء.
وما ان يحل هذا الشهر حتى تبدأ مجالس العزاء التي امر بإقامتها ائمة اهل البيت (ع)، كما ورد عن الامام الصادق (ع): (أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا).  ويقول أحد أصحابه: دخلت عليه يوماً وهو يصلي ثم سجد وبدأ يدعو لزوار الحسين فقال: (اللهم ارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس وارحم تلك الدموع التي جرت رحمة لنا أهل البيت).
انطلقت هذه المجالس وتطورت عبر التاريخ حتى وصلت الى ما هي عليه الان وتحولت الى مدارس بل إلى جامعات وأصبح أتباع اهل البيت يحسدون عليها. بعض الغربيين الذين اطلعوا على مجالس أبي عبد الله كانوا يتساءلون ويقولون: إننا اذا اردنا ان نعد مؤتمراً فاننا نستغرق وقتاً طويلاً للاعداد وتوزيع الدعوات فكيف يتسنى لكم جمع هذا الحشد الكبير في زمان واحد وأمكنة معينة، ويزدادون استغراباً عندما يعرفون ان أحداً لا يقدم دعوة لأحد، بل ان صاحب المأتم يفتحه فيبدأ الناس بالحضور تلقائيا.
هذه المجالس تطورت عبر التاريخ، وما يزال هناك مجال لتطويرها وتهذيبها لتتناسب مع العصر والرسالة. وحول هذا الموضوع يحدثنا أخ مهتم بهذا الموضوع وهو الدكتور نضير الخزرجي.
محاضرة الدكتور نضير الخزرجي:
المجلس الحسيني: أو المنبر الحسيني مادته هي الخطابة، وفي التاريخ فإن الخطابة سبقت الشعر. وهناك أدب نثري وشعر. الأدب المنظوم أخذ دوره في الأدب، وللخطابة دورها كذلك.
كل واحد منا يستطيع ان يتكلم ولكن قد لا نستطيع ان نكتب بيت شعر واحدا. الخطابة قديمة، يقال عن شعيب انه كان خطيباً وكذلك ابراهيم ومحمد (ص).
وجعل الله الخطابة جزءاً من العبادة فنحن نصلي العيدين والجمعة، والصلاة تحتوي على الخطابة، بينما هناك آيات تذم بعض اشكال الشعر، أما الخطابة فمحبوبة. اليونانيون كانوا شديدي الاهتمام بالخطابة، ولهذا فالمرافعة جزء مهم في القضاء، والمحامي القادر على التأثير على القضاة يعتبر محامياً جيداً.
ارسطوا يقول: الخطابة هي القوة القادرة على الاقناع. نسمع كذلك ان الشيخ الذي يعقد عقد القران، يلقي خطبة عند الزواج.
المنبر الحسيني: لماذا قيل المنبر: لأن المنبر هو أحد معالم المجلس. الرسول عندما كان يخطب في بداية الاسلام كان يخطب واقفاً، فأحس الصحابة انه يتعب فوضعوا له جذع نخلة، وفي السنة السابعة صنعوا له منبراً، ثم بدأ يستعمل عصى ويتوكأ عليها وقت الخطبة.
المجلس الحسيني يرادفه المنبر الحسيني الذي يرتقيه الخطيب.
وبالنسبة لإقامة مجلس الإمام الحسين (ع) فنعلم ان الرسول بكى الامام الحسين وكذلك الامام علي. فالمجلس الحسيني كان موجودا في بداية القرن الاول الهجري. ويعتقد أن اربعة اشخاص كانوا أول من أسس المجلس الامام السجاد وزينب الكبرى وأم كلثوم وفاطمة بنت الحسين (ع).
الدولة الأموية كانت المسيطرة، ولم تكن هناك مجالس كما نعرفها في القرن الاول الهجري بل كانت سرية. وبعد سقوط الأمويين وقيام العباسيين بدأت الصحوة للمجلس الحسيني على يدي الامام الصادق فكان يشجع الشعراء الذين كانوا يمثلون الخطباء، وبقي الشعر هو الاساس في الأدب العربي. ظهر الى جانب الشعراء القصاصون والمنشدون (الرواديد).
قبل المذياع كانت المجالس والمقاهي تستقبل القصاصين. هذه المهنة قديمة، وكان القصاصون يروون ما حدث في كربلاء، وكذلك المنشدون، خصوصاً في القرن الثاني الهجري. اولئك كانوا يمثلون المجلس الحسيني في تلك الفترة.
في القرنين الثالث والرابع تطور المنبر بعد فترة الكبت، فبرزت المجالس بشكل كبير نظراً لقيام دول مثل الادارسة في شمال افريقيا والفاطميين في مصر والبويهيين في العراق. وهنا أخذ المنشدون والشعراء والمداحون دورهم في فترة الدول الاسلامية الشيعية مثل دولة الحمدانيين التي نبغ فيها المتنبي.
في تلك الفترة ظهر اسلوب جديد في الادب الحسيني، فظهرت القصائد الطوال التي تتجاوز مائة بيت. فالشاعر يسرد فيها قصة ما حدث في كربلاء فهو يقرأ المقتل منظوماً. تلك الدول شجعت الشعراء على النظم، فنرى الشعراء الموالين لأهل البيت ينظمون القصائد الطوال في أهل البيت، ونراهم كذلك يضمنون الشعر مفردات عقائدية كالامامة والتوحيد والنبوة، كل ذلك يطرح من خلال القصائد الحسينية. وكان هناك المنشدون والمداحون الذين يحفظون الشعر ويلقونه. استفاد هؤلاء من هذا الجو بتطوير المجلس بشكل كبير.
اذن لدينا مرحلة التأسيس ثم مرحلة التأصيل في مرحلة الامام الصادق.
وقال المقريزي في خططه: كان الفاطميون، في يوم عاشوراء، ينحرون الإبل والبقر لإطعام الناس ويكثرون النوح والبكاء، ويتظاهرون بكل مظاهر الحزن والأسف، واستمروا على ذلك حتى انقرضت دولتهم وجاء عهد الأيوبيين الذين مثّلوا أدوار الأمويين والعباسيين مع الشيعة، وأضاف المقريزي إلى ذلك، بروايته عن ابن ذولاق في سيرة المعز لدين الله، أنه يوم عاشوراء من سنة 363 هـ انصرف خلق من الشيعة إلى قبري أم كلثوم ونفيسة ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالهم بالنياحة والبكاء على الحسين ومن قتل معه من أسرته وبنيه وكسروا أواني السّقائين.
ونص اخر حول بغداد ايام الدولة البويهية حيث كانت الاسواق تعطل في القرن الرابع الهجري.
 ومن يزور القاهرة يجد بعض هذه الجوانب فهناك المداحون والخيام في مولد الحسين في خان الخليلي ومسجد الحسين. في السابق كان هناك نوع من العزاء، والان هناك المديح. سألنا احد الباعة عما اذا كان لديه شريط عزاء، فقال، هذا مكان رأس الحسين، أي انه مكان فرح.
يعتبر قيام الدول الاسلامية فترة انتشار المجلس الحسيني. حتى في الدول الاسلامية غير الشيعية كانت هناك مجالس عزاء.
ثم ظهرت مرحلة جديدة: فانتشار المجالس الحسينية مع قلة الخطباء اضطر الناس لوضع مجالس حسينية مكتوبة يقرأها الافراد العاديون. فيلقي الشخص المجلس لأهله، واشتهرت هذه الظاهرة في القرنين التاسع والعاشر، وعرفت تلك المرحلة بالروضة نسبة إلى كتاب (روضة الشهداء). ومن كتاب الروضة جاءت كلمة روزه خون مأخوذة من كتاب روضة الشهداء.
وكتاب المنتخب للطريحي انتشر ايضاً بين المسلمين الشيعة (وهو من جزأين لفخر الدين الطريحي وعبد الوهاب الطريحي). فكثرة المجالس أدت الى كتابة هذه الكتب.
بعد ذلك ظهرت كتب المقاتل، وفيها مقتل ابي مخنف، وبلغ عددها 120 مقتلاً. والمقتل سرد لما جرى من حوادث يوم العاشوراء، وهناك كتب اخرى فيها مقاتل وغير مقاتل، وعددها 240 كتاباً. وتعتبر مادة للخطيب وشجعت على تطوير المجلس الحسيني.
ثم نجد مرحلة العودة الى الخطابة الارتجالية. المدارس الاسلامية بدأت تنشر الخطباء في كل مكان، وبدأ الخطيب يخطب بدون كتاب. في القرن الثالث عشر بدأ الخطيب عبد الحسين ال طعمة الخطابة الارتجالية.
يقول احد الكتاب:
ذهبت الى احدى الدول الافريقية، وفي الصلاة قام خطيب وبدأ يعظم الملك فؤاد. كانت خطبة جاهزة قرأها الافريقي وربما لم يكن يعرف معناها. الخطبة الجاهزة تفقد فائدتها مع مرور الوقت. المجلس الحسيني يهدف لتوعية الأمة والقراءة من الكتاب لا يؤدي ذلك الهدف خصوصاً عندما تكون هناك تحولات في المجتمع.
القرن الثالث عشر شهد عودة جديدة للخطابة الارتجالية.
في مرحلة الاستعمار (البريطاني والفرنسي والبرتغالي) كان المجلس الحسيني صوت الأمة، كما حدث في ثورة العشرين، وفي شمال افريقيا.
كذلك صلاة الجمعة نسمي جزءاً منها (الخطبة السياسية) وألصق شيء لدى الأمة هي الخطبة، وما يوفره المجلس الحسيني ينقل الأمة الى وضع أفضل.
مرحلة الاستعمار كانت طويلة واحتاجت الامة فيها الى اشياء جديدة، فبدأ انشاء المعاهد الخطابية في المؤسسات الدينية هدفها تخريج الخطباء، وهي مرحلة بدأت في الهند ثم انتقلت الى باكستان ثم العراق.
الشيخ الكرباسي اجرى مسحاً للمعاهد الخطابية فوجد انها بدأت في الهند، فلماذا؟
كان ذلك أن الاستعمار البريطاني غزا الهند قبل العالم العربي وبقي فيها قرناً ونصفا.  ان بعد المسافات بين الهند والعالم العربي شجع على انشاء المعاهد، وهناك حسين بارا، وامام بارا في الهند للخطابة. وكانوا يشيدون مراقد شكلية للأئمة للتبرك.
واقاموا معاهد للخطابة ايضاً وذلك في النصف الاول من القرن الرابع عشر الهجري، وكانت هناك معاهد للخطابة في كربلاء والنجف.
مرحلة ما بعد الاستعمار: الخطيب كان له دور في مواجهة الاستعمار. وبعد الاستعمار احتاجت الأمة لمنابر اخرى، ولذلك نجد خطباء مثل السيد صالح الحلي في العراق والشيخ احمد الكافي في ايران، لهم دور كبير في التوعية والتغيير فطرح هؤلاء تمهيداً لظهور الحجة مرتبطاً بحركة الامام الحسين ومصيبته.
الحركة الاسلامية في مصر والعراق والهند وايران استفادت كثيراً من المجلس الحسيني، خصوصاً شعار (يا لثارات الحسين). الحسين اكبر مفردة ثورية تستطيع ان تنهض بالامة.
وهذا ما حصل. وقد اشتهر عن  الامام الخميني كلمته المشهورة: (كل ما لدينا من كربلاء). وبلغت الثورة ذروتها في شهري محرم وصفر.
في العراق كان للمجلس الحسيني دور في تثبيت اركان الثورة. وقد كان للمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق معاهد حسينية وجهها لاستنهاض الأمة.
نعلم ان الحركة الاسلامية في محرم تبلغ اوجهاً وتستطيع ان تتحدى النظام الحاكم.
ساهم التطور في الاتصالات بتوصيل المعلومة الى أوسع نطاق ممكن. التلفزيون استطاع توسيع دائرة وصول الكلمة الحسينية، الأمر الذي ينبغي قوله اننا نحتاج لتطوير المجلس الحسيني، ومن وسائل ذلك الاستفادة من النقد الادبي الذي يخدم الاديب والأمة. نحتاج لنقد المجلس الحسيني، فمعظم الخطباء لا يقبلون بذلك. باعتقادي ان نقد المجلس الحسيني يقوّم الخطيب. احد الخطباء جاء برواية غريبة فسألته: من اين أتيت بها؟ فقال من ذلك الكتاب، فلما بحثت لم أجدها وعندما كررت السؤال عليه قال: من صدور الحافظين. هناك روايات تحتاج الى تدقيق.
وهناك مقارنة بين الخطيب الحسيني العراقي والايراني والباكستاني. هناك ملاحظة وجدناها: ان الخطيب الباكستاني لا يستنكف من الخطابة حتى لو أصبح مرجعاً، الايراني يتوقف عنها ولكن لا يستنكفها. أما الخطيب العراقي يستنكف من الخطابة عندما يصبح مرجعاً دينياً. أما الخطيب الخليجي فإنه يتأثر اما بالمدرسة العراقية او الايرانية.
لدينا خطباء على مستوى راق، الشيخ الوائلي قدم من خلال المنبر الحسيني ما لم يقدمه الفقهاء، وحتى الان محاضراته راقية برغم وفاته. الوائلي بلغ مبلغاً من العلم استطاع ان يترك أثراً كبيراً ومع تطور عصر الاتصالات ينبغي ان يتطور المجلس الحسيني ويصبح مسؤولاً وقادراً على التأثير. 

 

Facebook Comments

You may also like

مشاهد من سيرة الإمام المجتبى (ع) بعد وفاة رسول الله (ص)

كلمة القيت في مؤسسة الابرار الاسلامية عبر العالم