نشاطات المؤسسة

كيف يمكن تحقيق التكامل بين التربية والهوية؟

ندوة مؤسسة الابرار الاسلامية الاسبوعية – لندنm hijaz

التاريخ 29 سبتمبر 2022

المحاضر الشيخ محمد حجازي

مقدمة سماحة الشيخ حسن التريكي

(والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان …)

نبارك للمؤمنين حلول شهر ربيع الاول الذي فيه ولادة النبي الأكرم، وهجرته كما تذكر الروايات انه خرج من مكة في الاول من شهر ربيع الاو.

اعتدنا الاحتفاء بذكرى الهجرة في الاول من محرم، وهو بداية السنة القمرية ولكن الهجرة حدثت في ربيع الأول، خرج النبي من مكة بعد ان توفي اهم من دافع عنه وعن رسالته، ابي طالب وخديجة، فنزل عليه الوحي: اخرج فقد مات ناصراك. تجرأ المشركون للتخطيط لاغتيال النبي (واذ يمكر بك الذين كفروا ليقتلوك)

عندما كان ابو طالب حيا لم يستطيعوا فعل ذلكن ولكن بعد رحيله تجرأوا. جمعوا من 40 قبيلة من كل قبيلة رجل ليهاجموه. امره جبرئيل ان يخرج من مكة وان ينام علي في فراشه، فاخبر عليا بذلك بأمر من الله.

لم يتردد علي في القيام بهذه المهمة، بل كان همه واحدا: سأل النبي: أوتسلم يا رسول الله؟ قال: نعم فسجد علي شكرا لله انه يضحي بنفسه في سبيل النبي. بات في فراش النبي والمشركون يتربصون ويظنون ان محمدا في الفراش. خرج النبي من الباب وهو يتلو الآية: إنا جعلنا من بين أيديهم سدا . الله باهى الملائكة بموقف الامام علي عليه السلام. نادى اسرافيل وميكائيل وقال: لو خيرتكما بطول العمر فايكما يؤثر أخاه؟ قال كل منهما: انا اولى بالبقاء فامرهما الله ان ينزلا الى الارض ويحرسا النبي، ونزلت الآية الكريمة: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله. عندما هجموا قبيل الفجر قام علي وفاجأ القوم، فسألوه: أين محمد؟ قال: هل جعلتموني عليه حارسا؟

فدى علي النبي بنفسه وسجل ذلك الموقف العظيم فكانت الهجرة فتحا عظيما للمسلمين، ومنها انطلقت الدعوة الاسلامية الى آفاق العالم. بقي النبي على اطراف المدينة وبنى مسجد قباء وانتظر مجيء علي ومعه الفواطم، والدته فاطمة بنت أسد، وزوجته فاطمة وفاطمة بنت الزبير او بنت حمزة، وخرج نهارا متحديا المشركين. هذه المناسبة تستحق التوقف والاستفادة منها. في هذا الشهر مناسبات عديدة واهمها مولد النبي. اننا كجاليات مهاجرة نعيش تحديات كثيرة منها تحديات التربية امام هذه المناهج المنحرفة عن التعليمات السماوية، كيف نحافظ على ابنائنا.

الدكتور محمد حجازي متخصص في هذا المجال، وهو استاذ جامعي وحوزوري في زيارة لبريطانيا.

هل الهوية ضرورية للانسان؟ ام ان الانسان باستطاعته ان يبقى بعيدا عن الادلجة والموقف الديني؟

هناك انواع كثيرة من الهويات. نقصد بشكل مباشر الهوية التي تحمي الانسان في هذه الدنيا وتضمن له في عالم الآخرة.

النظرة الغربية للهوية تختلف عن التعريف الديني الذي ينظر لها من منظور الدنيا والآخرة.

حين نتطرق لهذا النوع من السجال لا ينبغي ان نستهدف أحدا، او ان نظهر اننا متعصبون لرأينا بل نبحث عن الحقيقة وفقا للقواعد العلمية.

الحديث عن الهوية انما هو حديث عن التنوع، عن الإنسان والآخر.

المساحة المرنة في قبول الآخر وعدم قبوله. كما ان العالم متنوع في جنسياته والسنته، كل ذلك يشكل عناصر مجمتمعة حول الهوية الانسانية.

ما هي المساحة التي يلتقي عندها الانسان ضمن البشرية كافة؟

تحدث القرآن عن ذلك: ﴿يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى﴾. تحدث عن العشائرية والشعوبية وجعل معيار التقوى اساسا.

من هذا المنطلق، الخوض في هذا البحث انما هو لتحديد المسارات البشري، وهذا طريق لإرشاد الانسان في هذا العالم والآخرة.

بعض الباحثين الغربيين تحدث في علم الاجتماع، قيل ان الانسان بالضرورة ابن البيئة والعلم والوراثة. هناك مكونات تشكل له هذه الشخصية، كما يحتاج الى بطاقة الهوية، فان عليه ان يكون له موقف ورأي. الهوية تحدد الرأي ودوافع الشخص.

اذا قارنا بين الانسان الديني واللاديني، نجد ان لدى الانسان الديني مباديء يعمل على اساسه يحدها الحلال والحرام، ما هو جائز وما هو ممنوع غير الديني تحده بعض القوانين؟ هناك فروقات على هذين المستويين. من هذا المنطلق من الضروري جدا تحديد الهوية. من خذلوا سيد الشهداء هم الذين أضاعوا هويتهم. الهوية تحدد الموقف في الوقت المناسب.

النصف الآخر من كلامنا: كيف نعمل من الانسان شجاعا وقويا ينطلق من هوية واضحة؟ ليس على قاعدة ان الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم اذا محصوا بالبلاء قل الديانون. الذين خذلوا وليهم او أمامهم لم يعرفوا هويتهم. هذه الهوية التي نمتكلها نافعة لنا في عالم الدنيا والآخرة. هذا فرق آخر بيننا وبين من لا يؤمن بالمعاد، نحترمه ونشفق عليه.

الهويات القومية او الوطنية تنتهي بموته، فما ان يموت ينتهي بوثيقة وفاة، وهي آخر وفاة. اما المؤمن فلا يتصرف وفق هذه الهوية الاجرائية، بل لديه هوية ايمانية تفيده في الدنيا والآخرة. الله اشار الى امر مهم: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾. ما هي هذه الشاكلة؟ القناعات الشخصية، مكوناته التربوية والثقافية. الباحثون قسموا هذا الموضوع وقالوا ان هناك انواعا عديدة للهوية: اجتماعية قبلية، او اجتماعية قومية عامة، وهناك هوية انسانية مدنية، وهناك هوية دينية فطرية.

الحاجة امام هذا التنوع ومنها الهوية الدينية الفطرية هو ان هناك حاجة داخل الانسان، حاجة فطرية لتحديد مساره، لان الانسان مكون من عالم المادة وعالم الروح. لا بد ان يستجيب للحاجات المادية والروحية، فمن يقتصر على الجانب المادي يكون عنده نقص. لو كان المجتمع كله متعايشا مع نفسه، فان فيه ضياعا. الله يذكرنا بقوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾. الانسان لا بد ان يعود للحاجات الفطرية.

الهوية الانسانية التي يريدها الله في الارض، بمعزل عن الهويات الاعتبارية.

الهوية التي يريدها الله هي الهوية  التوحيدية، انطلاقا من الفطرة التي استودعها الله فينا والتي تدل على خالقها.

ادارة هذه الحاجة الفطرية هي عكس النمو والمسار البشري والفكري لدى الانسان.

اليوم وصلت الى قناعة ان البشرية اذا لم تكن في دائرة الهويات المرتبطة بالوحي الالهي فانها خارج الحياة الحقيقية حتى لو كانت الدنيا عامرة بالتكنولوجيا وكل ما وصلت اليه الحضارة المعاصرة.

هذه الامور لها قيمة، ولكن الثورة المادية ليست هي التي تحدد الهوية الانسانية. حتى في المعايير الغربية هناك حاجة للعلم والثقافة. المادة تصبح هي معيار في تحديد هذه الهوية، وفق المقولة الغربية. هذه الشعوب تفتقر للدائرة التي نبحث عنها.

لا هوية بدون التمسك بالروافد السماوية من خلال الوحي والانبياء.

هناك ضرورة ان تكون هناك قناعة بوجود هوية موحدة على كافة المستويات.

تختلف الشعوب في الجنسيات والالوان ولكن مطلوب ان تتوحد في الهوية الفطرية.

حين يقول القرآن: ان الدين  عند الله الاسلام، الدين واحد. ﴿ولا تموتن الا وانتم مسلمون﴾. هناك قاسم مشترك مع كافة الشعوب.

الا ان العوامل التي تطرأ على كل امة وتغير وتبدل في المقاييس والمعايير تغير هذه الحقيقة.

بعض الشعوب التي تذهب الى اقصى مكان في الالحاد تضيع الفكرة والمعنى.

الخلاف القائم اليوم ان يكون الانسان تائها ضائعا لا يستطيع ان يحدد مساره، مع من يمشي، بمن يتأثر؟

الأمر المهم الذي ينبغي ذكره هو اننا عندما نعود لمصادرنا الدينية التي نشعر بالراحة معها، نجد ان الهوية تؤثر على النفس، فهي دواء وعلاج ذاتي. لا اظل ابحث عن إله، اليوم اعبد الشمس، وغدا اعبد القمر… يصبح الانسان ضائعا بدون استقرار.

اذا حدد الانسان مساره فان ذلك يؤمن له استقرارا وثباتا ونجاه يوم القيامة.

تحديد الهوية يساعد على حفظ النعمة الالهية، وهي الحياة.

هناك عناصر كثيرة تتكون منها الهوية.

على سبيل المثال: العناصر الامنية ﴿فلينظر الانسان الى طعامه﴾.

قال الامام الباقر عليه السلام: فلينظر الانسان الى من ياخذ عنه علمه. هذا المصدر يمكن يغير قناعاته ويحرفه عن جادة الاستقامة.

نحن كمذهب اهل البيت منفتحون على سائر الناس، نعيش معهم براحة كما ورد عن الامام جعفر الصادق عليه السلام: لا تفتش الناس عن اديانهم فتبقى بلا صديق. نحن متمسكون بالهوية.

هناك عناصر ثقافية ومادية وتاريخية تؤلف هذه الهوية الدينية والدنيوية عند كل واحد منا. ما الذي يخيف في الموضوع؟ الخلط في الهوية التي يحملها الانسان. قد يشعر الانسان ان لديه مباديء ولكنه يخلط فيها.

سأل احدهم الامام الصادق (ع) عن بعض ابواب الصلاة فقال الامام: لا تصلي خلفه فانه رجل خلط (اي خلط في هوياته الداخلية). بعض الناس ليس لديه مشكلة ان يغير هويته… الدين لعق على ألسنتهم. هنا يأتي دور التربية.

هناك عوامل كثيرة تؤثر على التربية. العوامل التربوية هي التي تقرر مصير الانسان في الدنيا والآخرة.

بعض النماذج من ائمتنا، حينما قال الامام الباقر او الصادق عليهما بالسلام: بادروا اولادكم بتعليم الحديث قبل ان يسبقكم اليه المرجئة، وهم الذين يشجعون على المعاصي. هذا مثال ونموذج. اسبق مجتمعك لتحديد هوية ابنك.

كل مساراتنا في الدنيا نتحدث فيها عن ابراء الذمة لنعود الى عالم الروح والآخرة. مهما بلغنا من العز والجاه والثقافة، فان آخر مسارنا الى القوس النزولي، الى القبر.

امر على المطار ويسألونني عن هويتي، هذه اجراءات ادارية لتنظيم حياة الانسان. اما في الآخرة فالامر مختلف.

التربية هي التي تشكل ذلك. عندما يربي الاب والام ابناءهم، فانهم لا يمكن ان يتجاهلوا المعاد يوم القيامة. المعلم يجب ان يربط الطفل بعالم الآخرة. التماشي مع الآخرين بدون رعاية هذا الجانب، هذا يضر ولا ينفع. يجب ان نربي الطفل على الصدق وليس الكذب. انها هوية اخلاقية وسلوكية.

تنازل الوالدين عن هذه المهمة وتسليمها للآخر، فيها إثم: ﴿يا ايها الذين آمنوا قوا انفسكم واهليكم نارا وقودها الناس والحجارة…﴾.

قال الامام: ان تأمرهم كما تأمر نفسك بالمعروف وتنهاهم عن المنكر لكي لا يحدث الانحراف.

هناك صراع كبير في الدنيا على الهوية بين الظلمات والنور. هناك ظلمة كبيرة، اصعب شيء ان تتغير المعايير على مستوى الهويات، فيصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا.

نحن ندفع فاتورة كبرى بتحويل مسار الهوية الى حالة من العصبية العالمية، الى صعوبة في التعامل مع الآخر. الله لم يرسل الانبياء من اجل ذلك: ﴿وما ارسلناك الا رحمة للعالمين﴾.

يريد الله السلام لهذه الارض من خلال تحديد المسارات على صعيد الهوية.

قال النبي (ص) لابي ذر: الدنيا سجن الدنيا وجنة الكافر. عملوا لنا سجونا، سجنا داخل سجن.

اصبحت هناك صعوبة في التعامل البيني. هناك امران للعملية التربية:منهج عقائدي وفرعي والاخلاقيات عظيمة تؤطر هذه الهوية لكون مالكا لهوية قوية قادرة على الانفتاح على  الآخر. هذا متحقق في العمق الفكري لمذهب أهل البيت.

لم يخرج عندنا في فكر اهل البيت حالة من التزمت او التشدد او عدم قبول الآخر. هذه ميزة اهل البيت، فهم مدينة العلم. نحن مرتاحون، هويتنا واضحة ولدينا مرونة عالية على الحوار مع الآخر.

نقبل الآخر ونحاوره رأفة به ومحبة له ليصل الى الضامن في الآخرة.

في المنهج الاسلامي التربوي، 21 سنة تربوية، من سنة اولى الى السابعة، ومن الثامنة الى  الرابعة عشرة ثم الى الحادية والعشرين. اصعب صناعة هي صناعة هوية الانسان، فاينما حل يقول: انا هكذا. اينما كان يجد البشر في اتجاهات مختلفة، اما هو فيقول: هذا اتجاهي.

الشاب في جامعته قد يدخل في نقاش مع اقرانه، البعض يسأل: لماذا انت متمسك بمبادئك؟ فلا يستطيع الجواب. او اذكر لي بعض امور دينك.

لدينا هوية رائعة وهي ان المسلم الشيعي هو انموذج اعلى لانه مرأة للمعصوم، هويته متقدمة بتقدم امامه المعصوم.

ليس منا من كان يسكن في مصر من الامصار وفيها من هو أرفع منه. هويتنا متميزة. التمايز ليس بالادعاء او العصبية والعنصرية، بل بالاخلاق. ان اكون معيارا وقدوة للآخرين. هذا ابعد من الهوية الخادمة، بل تصبح كنموذج.

علينا ان نضحي كثيرا لنطرح تمايزا اخلاقيا عاليا، ان لا نعتدي على حقوق الناس وممتلكات الناس، وان لا نبرر لانفسنا بعض الاعمال.قال الامام: كل  حسن ومنك احسن لقربك منا.

هذه اطر مهمة تتشكل مع هوية الانسان، حتى هويتي التي استعملها في بيتي، مع الزوجة والاولاد، يجب ان تكون واحدة.

اخيرا اريد ان اقول ان الخطأ الكبير ان نضيع الهوية التي نملكها بالتقصير في القضايا التربوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى