لماذا الحسين (ع) سفينة النجاة من دون سائر الأئمة (ع)؟

لماذا الحسين (ع) سفينة النجاة من دون سائر الأئمة (ع)؟

- ‎فينشاطات المؤسسة
19
0

 

كلمة القيت في مؤسسة الابرار الاسلامية في شهر محرم الحرام 1444 هجري بتاريخ 7 اغسطس 2022

الدكتور جلال فيروزjallal

بسم الله الرحمن الرحيم

ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:« إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة »

وكذلك من الأحاديث النبويّة المتواترة عند الفريقين ـ السنّة والشيعة ـ حديث السفينة.  قال رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله) : « مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق وهوى » (مصادر الحديث عند الفريقين في كتاب ( أهل البيت عليهم السلام سفينة النجاة) .

ترى لماذا كتب الله عزّ وجلّ عن يمين العرش بأنّ الحسين « مصباح هدى وسفينة نجاة »؟ ، وكيف جعل السبط الشهيد بمثابة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك؟ ، ولماذا هذه الكرامة البالغة لشخص أبي عبد الله الحسين عليه السلام عند الله وانّه ـ كما جاء في الحديث ـ : « إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض »؟ أي انّ أهل السماء أعرف بالحسين وكرامته من أهل الارض مع انّنا نجد انّ كرامته عند أهل الارض ليست بالقليلة ؟

وقد ورد أنع لمّـا سئل مولانا لسان الله الناطق جعفر بن محمّد الإمام الصادق (عليه السلام)عن حديث « إنّ الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة » : ألستم أنتم سفن النجاة ؟ فقال (عليه السلام) : كلّنا سفن النجاة إلاّ أنّ سفينة الحسين أوسع وأسرع.  كما أنّ للجنّة أبواباً ، منها باب يسمّى باب الحسين (عليه السلام) وهو أوسع الأبواب.

فالسفينة الحسينيّة سعتها بسعة الخلائق ، وتضمّ جميع العباد من آدم (عليه السلام) إلى يوم القيامة.  كما أنّها أسرع للوصول إلى شاطئ السلام وساحل النجاة ، والوصول إلى بحر فيض الله ورحمته الواسعة ، والفناء في الله سبحانه وتعالى.  وبنظري إنّ المصباح الحسيني للمتّقين ، فإنّه عدل القرآن الكريم ، بل هو القرآن الناطق ، وإذا كان القرآن التدويني العلمي هدىً للمتّقين :  ( ذلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدىً لِلْمُتَّقينَ )

فكذلك القرآن التكويني العملي ، فهو مصباح الهدى للمتّقين.  كما أنّ السفينة الحسينيّة للمذنبين ، لهما تجلّيات وأشعّات والألواح نورانيّة في السماوات والأرضين ، وعلى مرّ التأريخ والعصور ، فإنّ لقتله وشهادته تبكي السماء دماً ، كما أنّ الأنبياء والأولياء والأوصياء يبكونه ، ويقيمون له المآتم والعزاء ، إنّما هو من تجلّيات تلك السفينة المباركة ، وأشعّة ذلك المصباح الميمون.

ومن بعد شهادته وواقعة الطفّ الحزينة ، نشاهد الثورات القائمة ، والمآتم المنصوبة ، ومواكب العزاء قبل ألف عام ، وبناء الحسينيات قبل قرون ، وإلى يومنا هذا وغداً تزداد وتزداد ، كالقرآن الكريم غضّ جديد لا يبلى ، إنّما ذلك كلّه من بركات تلك السفينة وذلك المصباح ، فإنّ الشعائر الحسينيّة التي هي مظاهر من الشعائر الإلهيّة ، التي من يقيمها فإنّ ذلك من تقوى القلوب ، تلك القلوب التي فيها حرارة قتل سيّد الشهداء الحسين (عليه السلام) ، وإنّها لن تبرد إلى يوم القيامة ، وإنّها شعلة وهّاجة تنير دروب الأحرار على مدى العصور والأحقاب ولكلّ الأجيال ، فإنّ الشعائر الحسينيّة بكلّ مظاهرها ومحتوياتها الشرعيّة إنّما هي من تجلّيات وظهور وبروز تلك السفينة وذلك المصباح . هكذا شاء ربّك الحكيم أن يبقى دينه القويم الإسلام العظيم ، بدم الحسين وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام) أبد الآبدين.

فأهل البيت وعترة النبيّ المختار هم سفن النجاة ، من تركهم فإنّه لا محالة يغرق ويهوى ، كما دلّت على ذلك النصوص القرآنيّة والأحاديث الشريفة وبحكم العقل السليم والفطرة السليمة.

والبعض الآخر يرى انّ سرّ بقاء ملحمة كربلاء في انّها كانت ملحمة مأساويّة لم ولن تقع في التاريخ ملحمة أشدّ فظاعة وايلاماً وحزناً منها ، حتّى مضى هذا المثل في التاريخ : « لا يوم كيومك يا أبا عبد الله ». فيوم الحسين عليه السلام أعظم من كلّ يوم ، فقد اقرح الجفون ، واسبل الدموع ،

المعلوم انّ الحسين عليه السلام تمسك بحبل الله فرفعه ، واخلص العمل له فأخلص الله له ودّ المؤمنين ، وجعل له في قلب كلّ مسلم حرارة. وقديماً عندما خلق الله تقدّست أسماؤه آدم واسكنه الجنّة ، رأى آدم ما رأى حول العرش من الأنوار ، ثمّ علّمه جبرائيل تلك الأسماء والكلمات ، ونطق بها ، واقسم على الله عزّ وجلّ بتلك الكلمات والأنوار الخمسة ، … « فلمّا ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه ، وقال : يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي ؟ قال جبرئيل : ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب ، فقال : يا أخي وما هي ؟ قال : يُقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً ليس له ناصرٌ ولا معين … فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثكلى ».

وهكذا فانّ قيمة الإمام عليه السلام تكمن في انّه كان مخلصاً صفياً ، فهو عليه السلام لو كان يمتلك ألف ابن مثل عليّ الاكبر وكان عليه ان يضحّي بهم في لحظة واحدة لما تردّد في فعل ذلك لانّه جرّد نفسه عن اهوائه ، رغم انّه عليه السلام كان يحب عليّ الاكبر حبّاً لا حدّ له ، حبّاً لا يمكن ان يضمره أيّ ابٍ لابنه ، لأنّ علياً الأكبر كان أشبه الناس برسول الله صلّى الله عليه وآله خَلقاً وخُلقاً ، ومع ذلك فان حبّ الحسين عليه السلام لله تعالى كان أشدّ كما يقول سبحانه: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِله ) [ البقرة / ۱٦٥ ].

فان الذي جعل ذكرى الحسين عليه السلام خالدة ، هو انّ ما كان لله يبقى ، والإمام الحسين عمل مخلصاً لوجه الله. ونحن إذا أردنا ان نرضي الخالق تبارك وتعالى ، والحسين ، وجدّه وامّه وأباه وأخاه ، والأئمّة من ولده فلابد أن نخلص أعمالنا لوجه الله ، وان نفعل كل ما يمكننا من أجل ان نخلّد ونجدّد ذكرى الثورة الحسينيّة حتّى من خلال التظاهر بالعزاء ، والبكاء عليه بصوت عال بحيث يسمعنا الآخرون.

Facebook Comments

You may also like

كيف يمكن تحقيق التكامل بين التربية والهوية؟

ندوة مؤسسة الابرار الاسلامية الاسبوعية – لندن التاريخ