غير مصنفنشاطات المؤسسة

حمزة مقامس: المصلح الصامت

جاء الى هذه الدنيا بسلام، وعاش فيها مسالما وفارقها بسلام. ذلك هو المرحوم الحاج حمزة مقامس الذي ارتفعت روحه الى بارئها يوم الأربعاء 8 يونيو 2022 بعد حياة حافة بالكفاح من أجلmaqamis العيش وأعمال الخير التي لم تتوقف. فقد ترك وراءه صدقة جارية تمده بالأجر المتواصل وتشفع له عند ربه.  وبرحيله ينتهي رعيل من رجال الاعمال الكويتيين الذين اشتهروا بأعمال الخير ومنهم الحاج كاظم عبد الحسين وحسن حبيب  ويعقوب بهبهاني وعباس الهزيم ومحمد قبازرد وعبد الحسين بهمن وعيسى حسين اليوسفي واحمد ملا رضا ومعرفي . رفد أولئك الرجال بمالهم أعمال الخير في مناطق كثيرة من العالم، فحفروا آباء الماء في الهند وافريقيا، وشيدوا المدارس وبنوا المستشفيات وعالجوا المرضى وموّلوا طلاب العلم وأنشأوا الحوزات العلمية. يومها كانت بدايات العمل الإسلامي في مستهل حقبة الصحوة  الإسلامية في السبعينات. وتشهد لهم المراكز الإسلامية والمساجد بالريادة في العطاء والسخاء في البذل. حينذاك لم تكن عيون أعداء المشروع الإسلامي مفتوحة عليه، ولم تسع لوقف أعمال الخير او تستهدف المحسنين، بل كانت مشغولة بالصراع الفكري والأيديولوجي مع الكتلة الشرقية. ولكن سرعان ما اتضحت آثار تلك الاعمال عندما نشأت أجيال ملتزمة بدينها حاملة رسالتها ومتسابقة في مضمار الخير، وتزاحمت بالمناكب على طريقه. وسرعان ما تبنّى أعداء المشروع سياسة “تجفيف المنابع” لضمان ذبول شجرة العطاء الإيمانية. فكان من نتيجة ذلك ما يحدث اليوم من انحراف وإلحاد وتنكر للدين، وتراجع عن الأخلاق والقيم، وانحراف بدون حدود عن دين الله.

على مدى العقود الخمسة الأخيرة  كان المرحوم الحاج حمزة مقامس لولبا في حركة دؤوبة تهدف لترويج عمل الخير والحث عليه وتسهيل مهمات العاملين في مجاله خصوصا في أوساط الطلبة الدارسين في الغرب. كان اولئك التجار يقضون الصيف في العواصم الأوروبية خصوصا لندن، وهناك امتدت جسور الأخوّة والصداقة بين الطلاب والتجار، وتأسست الجمعيات الطلابية والخيرية، وتم تأسيس المراكز  والمساجد على نطاق واسع. وتصاعدت وتيرة العمل الخيري والإسلامي بالتزامن مع ظروف ما بعد حرب اكتوبر بين الدول العربية و “إسرائيل” وما نجم عنها من قفزة نفطية غير مسبوقة. فساهمت تلك الظروف والتطورات الاقتصادية في توسيع مجال العمل الخيري. فمن جهة تكثفت أنشطة الطلاب في الجامعات الغربية، ومن جهة أخرى بدأ رجال الاعمال الكويتيون يتوافدون على تلك المناطق لقضاء الاجازات او تلقي العلاج. فكانت الفرصة مؤاتية لتطور العمل الإسلامي المعاصر الذي نشأ ضمن ظاهرة الصحوة التي بدأت تسري في جسد الأمة، وكانت بداياتها هزيمة حزيران قبل ذلك ببضع سنوات. كان من نتيجة ذلك إعادة النظر في ما كان يفرض على الأمة من أفكار بعيدة عن ثقافتها ودينها، وتعتبر النكسة نهاية حقبة  ايديولوجية في العالم العربي وبداية أخرى. لذلك ترعرع العمل الاسلامي في العالم، وشهدت الجامعات الغربية صعودا لوجود الطلبة المسلمين وإقبالهم على النشاط الديني. فتأسست الجمعيات الطلابية الإسلامية في الجامعات وسعت للحصول على غرف لأداء الصلاة وسجلت نفسها ضمن الجمعيات الطلابية المرتبطة بالاتحاد العام للطلاب.

كان الحاج حمزة يتردد على بريطانيا مع زوجته في فصل الصيف. فلم يرزقهما الله ذرية، ولكن رزقهما البصيرة وحب الخير والالتزام الإيماني العميق. يومها كانت رابطة  الشباب المسلم التي كانت قد تأسست في 1967 كإطار للطلبة  المسلمين الشيعة في بريطانيا، تمارس نشاطها بشكل منتظم. كانت تضم طلابا من إيران والعراق والبحرين والكويت بالاضافة لعدد من الطلاب من ذوي الأصول الهندية الذين يسمّون “الخوجة”. كانوا يجتمعون بإحدى الشقق بمنطقة يوستون، في جلسة اسبوعية مساء السبت من كل اسبوع. تضم الجلسة محاضرات دينية ونقاشا وربما إقامة صلاة الجماعة لعدد لا يتجاوز الـ 25 شخصا. في صيف العام 1975 حضر الحاج حمزة اجتماع الرابطة وتزامن وجوده في لندن مع وجود كل من الشهيد السيد مهدي الحكيم والشيخ محمد مهدي الآصفي. وكان حضور الثلاثة الاجتماع الاسبوعي للرابطة فرصة للتفكير بشراء مقر دائم تمارس الرابطة فيه أنشطتها. وحث كل من الحكيم والآصفي الحاج حمزة لشراء مقر للرابطة. وفي سبتمبر 1976 تم شراء مبنى من خمسة طوابق بمنطقة “سلون سكوير” في شارع هاديء اسمه “دريكوت بلايس”. وكان المبنى راقيا لكنه كان مهملا وقديما وبحاجة لصيانة شاملة ونظام تدفئة مركزية. ودفع الحاج حمزة ثمنه كاملا وكان 67 ألف جنيه استرليني. وبعدها بدأ العمل لترميمه من قبل الطلاب انفسهم خصوصا البحرانيين. وكان لدور الحاج حمزة أثر كبير في دفع العمل الطلابي آنذاك، فقد تحول المبنى الى مركز ديني ومأوى للطلاب، فكانوا يبيتون فيه في الإجازات الاسبوعية والفصلية، ويعقدون فيه اجتماعاتهم الدينية، ويقيمون فيه الصلاة بانتظام، ويقيمون الاحتفالات والندوات. لقد كان ذلك المبنى نواة لوجود إسلامي فاعل توسعت آفاقه لاحقا. وفي العام 1978 أقيم في ذلك المبنى مؤتمر رابطة الشباب المسلم بحضور عدد من العلماء الكبار في طليعتهم المرحوم السيد محمد حسين فضل الله. وشهد ذلك المقر جلسات نقاش وتوجيه بحضور علماء من بينهم السيد مرتضى العسكري والسيد حسين الصدر والشيخ زهير الحسون والشيخ محمد مهدي الآصفي والشيخ محمد مهدي شمس الدين.

مع دخول حقبة السبعينات توسع الوجود الإسلامي في لندن، وكان الحاج حمزة مواكبا لهذا التطور، فشعر بالحاجة إلى مكان أوسع. وفي صيف العام 1981 اتصل شخصيا بالمرحوم الدكتور محمد الموسوي الذي كان حينها في لندن وأخبره بانه تم الاتفاق مع مالكي “نادي شيفرون” للضباط المتقاعدين سابقا (وهم إخوة ثلاثة مهدي وعبد الصمد حبيب) وان على الاخوة معاينة المبنى قبل الاتفاق النهائي مع مالكيه حول اقتنائه.

أخبرنا الحاج حمزة ان الأمناء اتفقوا مع المالكين لشراء المبنى المكون من ثلاث مبان كبيرة ومبنيين خلفيين على ان يباع المقر السابق وتجمع التبرعات لشراء المبنى الجديد الذي كان يحتوي على 50 غرفة نوم بالاضافة لقاعات عديدة. كانت روح الحاج حمزة حاضرة في الميدان آنذاك، فقد كانت الحاجة ماسة لموقع أكبر، فتم ذلك بفضل الله وبركة جهوده. وهكذا استمر العمل الطلابي والدعوي، وشهد تطورات انتهت بشراء المقر الحالي في العام 2002. ولولا جهود الرجل وبقية الأمناء لما تحقق شيء من ذلك. كان الحاج حمزة، رجل الأعمال الذي كان يتقدم به العمر حريصا على تعبيد الطريق امام الباحثين عن الإيمان والحقيقة والعبادة. فكان يحتفظ في مكتبه الذي يدير منه شركة الأطعمة في الكويت، بكميات كبيرة من البوصلات، وما يزوره شخص ينوي التوجه لإحدى دول الغرب حتى يبادره ببوصلة لتساعده على تحديد اتجاه القبلة الشريفة. وما يزال الكثيرون يحتفظون ببوصلة الحاج حمزة تغمده الله برحمته. لقد كانت روحه كبيرة، وتطلعاته لنشر الإيمان والألتزام أكبر من جسده الذي بدأ يضعف مع تقدم العمر. كان وجوده عنصرا جوهريا لتوافق الأمناء على مدى 45 عاما، وتقاربهم وتوادهم وتعاونهم. وبغيابه عن الدنيا انتهى حضوره الميداني المباشر ولكن تركته المباركة بقيت معلما يهتدي به الكثيرون ومثلا للتفاني والعطاء والعمل الخيري التطوعي الذي لا يبتغي منه من يمارسه سوى رضى الله سبحانه وتعالى. كان أمة في رجل، عنوانا واضحا لكتاب، ونهجا لقافلة طويلة من العاملين، ومصدر عطاء روحي لا ينضب. حزنت كثيرا لفقده، وسعدت لأنني قضيت نصف قرن من العمر شريكا معه في العمل التطوعي في حقبة الصحوة الإسلامية المعاصرة. لن أنساه لانه كان سبٌاقا للتواصل دائما، يعتب لعدم التواصل المنتظم معه من جانبنا، كان حقا رجلا كبيرا وأمينا وصادقا في نهجه مع ربه ومع الناس. تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جناته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى