فلسطين: مهد الأديان في ذكرى نكبتها

فلسطين: مهد الأديان في ذكرى نكبتها

- ‎فيمقالات ساخنة
50
0

الدكتور سعيد الشهابيdr saeed shehabi

تصاعد العنف في فلسطين أصبح تحديا ليس للمعنيين المباشرين بقضية ذلك البلد المحتل فحسب، بل لدول العالم ومؤسساته. فبعد قرابة ثلاثة أرباع القرن من الاحتلال، تحل ذكرى النكبة والأزمة التي بدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ما تزال تمثل التحدي الأطول للجميع، فلا الفلسطينيون تنازلوا عن حقهم الطبيعي في أرضهم ولا الإسرائيليون استطاعوا أنهاء القضية التي تتشعب باستمرار في أبعادها السياسية والإنسانية والأخلاقية. وإذا كان المحتلون يراهنون على عامل الزمن ليضع القضية في عالم النسيان، فان التطورات أكدت عكس ذلك تماما. صحيح ان بعض الأقربين قد تخلوا عنها، ولكنها اصبحت قطارا يسير على سكك ثابتة، ويمر بمحطات ينزل فيها بعض ركابه ويصعد غيرهم بدون انقطاع. فالمنظمات الإنسانية والحقوقية والأحزاب السياسية في أغلب بلدان العالم تتبنى قضية فلسطين وتحيي ذكرياتها وتشارك في الاحتجاجات من أجلها. بل ان استمرارها أدى إلى شجب كيان الاحتلال وفرض عزلة عليه. هذه الحقيقة لا تلغيها ظاهرة التطبيع التي رفع لواءها بعض حكام العرب. فأصبح هؤلاء منبوذين من شعوبهم، ولم تتأثر القضية المحورية بشكل جوهري. وما المسيرات الواسعة التي نظمت في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك للاحتفاء بـ”اليوم العالمي للقدس” الا أحد مؤشرات توسع دائرة الاهتمام بالقضية، واستعصاءها على التهميش والتناسي.

في منتصف هذا الشهر تحل الذكرى الرابعة والسبعون للنكبة التي حدثت في العام 1948 عندما تمكنت قوات الاحتلال فرض نفسها على أرض فلسطين وإلحاق الهزيمة بجيوش الدول العربية التي حاولت منع إقامة كيان الاحتلال. وقد اعتاد أهل فلسطين على إحياء المناسبة التي أعيد تسميتها بـ”يوم الأرض” التي تنظم فيها “مسيرات العودة”. ونظرا للانعكاسات النفسية لهذه المسيرات تصدت لها قوات الاحتلال بالعنف، وقتلت العشرات من المشاركين فيها بوحشية. مع ذلك تتواصل الدعوات للمشاركة فيها سنويا وبذلك الجهود لإعادة القضية الى واجهة الاهتمام الدولي. اهل فلسطين تعلموا من تجاربهم أمورا عديدة: أولها ان لهم حقا ثابتا في أرضهم، وان ذلك الحق لا يُلغى بالاحتلال مهما كانت شراسته وتوحشه. ثانيها: ان الثبات والصمود عنوان بقاء القضية، مهما كان ثمن ذلك من تضحيات بسبب العنف الاسرائيلي غير المحدود. ثالثها: ان خذلان الأمة هو الأخر لا يلغي عدالة القضية من جهة، او يبرر أية محاولة للتخلي عنها. رابعها: ان الاحتلال لا يصبح شرعيا بالتقادم، خصوصا ان أهل الأرض ما يزالون يعيشون في المخيمات والشتات. خامسها: ان الغرب الذي وقف مع الاحتلال وكرر وصفه بالديمقراطية أصبح محاصرا أخلاقيا وسياسيا خصوصا مع تعنت حكومات الاحتلال المتعاقبة وسعيها المتواصل للتوسع ومد النفوذ الإقليمي والدولي. سادسها: ان أهل فلسطين يدركون ان الدعم الدولي الذي توفر للاحتلال سابقا باعتباره حاميا لمصالح الغرب، بدأ يفقد أهميته الاستراتيجية وتحول الى عبء سياسي وأخلاقي على الغرب، وان هناك وعيا لدى الاجيال الغربية الشابة بقضية فلسطين يزداد توسعا.

في ضوء هذه الحقائق لم يعد هناك مجال للتخلي عن قضية فلسطين، الأرض التي تضم مقدسات الأديان السماوية، وفي مقدمتها المسجد الاقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأماكن مقدسة للأديان الأخرى. كما ان مدينة القدس مقدسة لدى اصحاب الديانات ولا يمكن التخلي عنها للاحتلال، خصوصا في ضوء ما تمارسه من سياسات لتغيير هويتها التاريخية لإضعاف موقعها لدى الأديان الأخرى. وهكذا فشلت محاولات الاحتلال واستمرت روح المقاومة الهادفة لتحرير فلسطين من الاحتلال، وحماية حقوق شعبها الذي تعرض للاضطهاد والتشريد، ماضيا وحاضرا. وثمة ما يشبه الاجماع بين أتباع الاديان على ضرورة حماية مقدساتهم بعد ثلاثة ارباع القرن من سياسات التدمير والتهويد. وحتى أمريكا ستجد نفسها مجبرة على تغيير سياساتها بعد ان فشلت كافة محاولات إلغاء الشعب الفلسطيني من المعادلات السياسية. والأمل ان تحدث صحوة حقيقية تجبر السياسيين على التصدي للاحتلال وإعادة الحق إلى أهله.

Facebook Comments

You may also like

نحو حياة إنسانية راشدة