ثنائية العبادة والحياة من خلال الصوم

ثنائية العبادة والحياة من خلال الصوم

- ‎فيفكر إسلامي
40
0

الدكتور سعيد الشهابي*

برغم همومهم الحياتية والسياسية، اسnews1_drsaeed114تقبل المسلمون في كافة أنحاء المعمورة شهر رمضان المبارك بروح من الإيمان والأمل، والتأمل في معاني الصوم ومستلزماته الروحية والأخلاقية. فمن اللاجئين في المخيمات كالأفغان والروهينغا والسوريين والفلسطينيين والأوكرانيين إلى المعتقلين السياسيين الرازحين في سجون الاحتلال والاستبداد، إلى الكادحين من أجل الرزق، يكاد الشعور إزاء حلول الشهر المبارك يكون واحدا: الانفتاح الروحي والاجتماعي إلى جانب الاستبشار بالفرج الذي يراود قلوب ذوي الحاجة أيا كان شكلها. وهكذا يمثل الشهر الكريم مناسبة لتخفيف الضغط على الشعوب التي أنهكتها المعاناة وحرمتها العيش الآمن المطمئن، وهمّشت دورها في البناء والتنمية من أجل إنسانية سعيدة. شهر رمضان هذا العام يطل في اجواء تهيمن الكآبة فيها على قطاعات واسعة من المؤمنين والمناضلين الذين قضوا حياتهم حالمين بأمة متماسكة تجمعها قضاياها المحورية وفي مقدمتها فلسطين. فلا يمكن أن يصوم مؤمن حر بدون أن يستذكر المشهد المخزي لوزراء خارجية عرب يلبون دعوة الصهاينة ويجتمعون في عمق الأراضي الواقعة تحت الاحتلال بصحراء النقب. انهم هناك ليس بدعوة من أبناء الأرض الشرعيين بل من المحتلين الذين لا يمر يوم بدون أن يريقوا دم شاب او امرأة، والذين تكتظ سجونهم بأكثر من 8000 معتقل من أبناء فلسطين. شهر رمضان في تلك الأرض حافل بالأمل والرجاء المنطلقين من الإيمان العميق لدى شعب ما يزال صامدا منذ ثلاثة أرباع القرن، ومصدر عطاء روحي وثوري لقطاعات واسعة من أبناء الأمة، ومناضلي العالم. وما دام الحديث عن الصوم، فتجدر الإشارة الى “صوم الفصح” في الديانة المسيحية الذي يستمر 40 يوما، وتمارس في مثل هذه الأيام التي يقترب فيها عيد الفصح.

ما أكثر ما قيل ويقال حول شهر رمضان المبارك وفضله، وما أعمق الدراسات التي كتبت حول الصوم وفوائده من الناحية الصحية. ويجدر التركيز هنا على ثلاثة عناوين مرتبطة بهذه العبادة التي فرضها الله على المسلمين كما فرضها على من سبقهم على طريق الإيمان الديني: تعميق المسؤولية الاجتماعية، وترويج ثقافة الحد من الاستهلاك والحرية. فالصائم ليس فردا منعزلا عن مجتمعه وأمته، بل يرى في الصوم تجسيدا لمعانٍ عديدة منها وحدة الأمة في الإيمان والمشاعر والممارسات، وتضامن مكوّناتها ككيان واحد، تتلاشى فيه الأنانية والذاتية وتتعملق ظواهر وحدة الصف والعمل المشترك والتعاضد والتعاون. أما الصوم الواعي فيؤدي إلى تعميق الشعور بالحرية الحقيقية التي أرادها الله للإنسان من خلال الدين: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيّم.﴾

وقد جاءت تشريعات الإسلام التي تنظم أداء فريضة الصوم لأهداف إلهية شتى، من بينها تركيز الدور الاجتماعي للفرد. ويأتي الصوم ليعمق هذا الدور: “اتقوا النار ولو بشق تمرة”، واعتبر إفطار الصائم عبادة، ودعا للإنفاق على الفقراء والمحتاجين. وبرغم التغافل عن تعليمات الدين، فقد توسعت ظواهر الاهتمام بالقطاعات المجتمعية المستضعفة، وانتشرت مشاريع “السلّة الرمضانية” و”موائد الرحمن”، وتوجه الكثيرون لدعم الإفطارات الجماعية. كما أن المجالس القرآنية اليومية تساهم في تقوية التواصل الاجتماعي خصوصا في ظل الثقافة التي تنتشر بشكل مرعب منطلقة من انتشار التكنولوجيا الحديثة التي تؤدي لعزلة الفرد. فقد أصبحت الهواتف الذكية واحدة من أقوى المؤثرات السلبية على النسيج الاجتماعي. وحتى ضمن العائلة الواحدة أصبحت هذه التكنولوجيا عاملا لإضعاف الوشائج بين أفراد العائلة وبديلا عن الجو الاجتماعي الذي يفترض أن يترسخ داخل البيت. وهنا يتضح الدور الإيجابي للبعد الاجتماعي المرتبط بالصوم وأجوائه القرآنية والعبادية. فالزيارات المنقطعة للأهل والأصدقاء تستعيد حيويتها، وتبادل الإفطارات يزيد العلاقات متانة ويعمّق الاحترام والحب. ويلاحَظ انفتاح نفس الصائم على أساليب الإحسان والبر، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين البيئة الاجتماعية ويقلل أسباب الحسد والضغينة. إأنها دروس في إعادة بناء المجتع البشري انطلاقا من الاستعداد للعطاء والتضحية من أجل الصالح العام، وبذلك تضعف النزعة للأنانية والفردية وتتضاءل روح الجشع. وهل معاناة شعوبنا إلا بسبب السباق للأخذ بدلا من العطاء؟ مطلوب إعادة صياغة الذهنية ليكون الشخص أكثر عطاء. ومن مشاكل المجتمع البشري المعاصر تعملق ظاهرة الأخذ وتقزّم حالة العطاء. فالحاكم المستبد إنما ينطلق من أنانيته وحب ذاته وضمور مشاعر الحب للآخرين او الرغبة في مساواتهم. ويُفترَض أن يساهم الصوم في التصدي لتضخم حالة الـ”أنا” التي تعتبر السبب الرئيس للتنافر والصراع. كما يساهم بشكل مباشر في ترويج العمل الاجتماعي ومستلزماته من تضامن وتعاون وتكافل وتعارف. كما أن مساهمته في تعميق التوجه الصحي تفوق أية محاولة بشرية أخرى، وقد راجت في السنوات الأخيرة مقولة “الصوم المنقطع” كوسيلة للحفاظ على الصحة والحفاظ على سلامة الجسد خصوصا أجهزته الهضمية.

أما الظاهرة الثانية التي أصبحت من أسباب تخلف الأمتين العربية والإسلامية فتتمثل بتنامي ظاهرة الاستهلاك وتلاشي الانتاج. فالمجتمعات تنحو نحو المزيد من الاستهلاك والتحول إلى أسواق لمنتجات الآخرين. ويساهم الصوم في تقليص هذه الظاهرة ليس بسبب الامتناع عن الأكل والشرب فحسب، بل حتى استهلاك المنتجات الأخرى التي تعتبر معوّقا امام العبادة والمناجاة والاهتمام بالقرآن الكريم. هذه الأمة بحاجة لإعادة صياغة ذهنية الأفراد والجماعات لتصبح أكثر إنتاجا وأقل استهلاكا. وبدلا من إنفاق الدخل النفطي الذي تضاعف في العامين الأخيرين نتيجة ارتفاع أسعار النفط، يمكن استثمار هذه العائدات في مشاريع تنموية على الصعيدين البشري والمادي، بدلا من الاستمرار في ثقافة الاعتماد على الأجنبي. فهل دفع بعض الحكام للتطبيع مع قوات الاحتلال سوى الشعور بالضعف الذاتي والاحتياج لما لدى الصهاينة من قوة وهمية؟ إن بالإمكان تحويل الجزيرة العربية إلى قوة اقتصادية عملاقة لو تم الاستفادة من الطاقات البشرية المتوفرة لتدشين نهضة إنتاجية حتى في الجانب الزراعي. فما لم يتم احتواء ظاهرة الاستهلاك المتفاقمة فستظل المنطقة دون مستوى النهوض الذاتي الذي يوفر لها قوة ذاتية تجعلها مهابة الجانب. وما الصوم إلا مشروع إلهي لاحتواء ظاهرة الاستهلاك التي تضر المجتمع البشري كما تلحق الضرر بالبيئة وتقزّم إنسانية البشر بتجميد عقله وتضخيم حاجاته الاستهلاكية، وتهمّش الإنسان ودوره في النهضة والبناء.

أما الجانب الثالث فله بعد سياسي. فالصوم في جوهره تمرد على المغريات الدنيوية والنزوات الشيطانية، ويؤدي هذا التمرد لتقوية الإرادة ورفض الوصاية الشيطانية على الإنسان. هذه الإرادة إن وجدت فإنها تحقق للإنسان حريته من تلك الوصاية، وهذه الحرية تمثل ذروة ما يتطلع الإنسان لتحقيقه. فمن يصوم يتأهل لرفض ما هو باطل وشر وظلم، فلا تستطيع قوة في الأرض كسر إرادته. وهذه أولى الخطوات التي تحوّله إلى مخلوق يتشبث بالحرية ويرفض أية جهة ما عدا الله، مصدرا لممارسة الوصاية عليه. فما دام هذا المخلوق قادرا على الامتناع عن الأكل والشرب والابتعاد عن المحرمات التي يزيّنها الشيطان للنفس، فقد استعاد حريته وتمرد على محاولات التحكم الذي يبلغ مستوى الاستعباد أحيانا. هذه الحرية مطلقة، تخلق في نفس الصائم الشعور بعدم حاجته للآخرين لأن احتياجاته المادية تقلصت وأصبح قادرا على مخاطبة ربه عن طريق القرآن والصلاة والدعاء. فهو تأهيل لمن يمارس تلك الفريضة لكي يكون متمردا على من يسعى لفرض نفسه مصدرا للألوهية والربوبية في عالم خلقه الله ورفض أن يشاركه أحد في حكمه: “ولا يشرك في حكمه أحدا.” الحرية عنوان أوسع لواحدة من أبرز فوائد الصوم، وتصنف ضمن الرغبة الإلهية لتحرير الإنسان الذي يصر، بسبب جهله وضحالة إيمانه، على الا رتهان لقوى لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا.

هذه الدروس المستوحاة من أجواء الصوم في شهر رمضان تكشف عمق الفلسفة من وراء العبادات التي تبدو في ظاهرها محاولات للارتقاء الروحي فحسب، ولكن لها أبعادا حياتية تأهيلية تضع الإنسان على طريق التكامل، حرّا، متعففا، ذا إرادة وقرار، وقادرا على التمرد ضد شياطين الإنس والجن. لو تم استيعاب هذه المفاهيم لأصبح الصوم مدرسة عملية للتغيير عن طريق بناء الكوادر القادرة على المساهمة والعطاء بعيدا عن حب الذات او الانكفاء على تلبية حاجات الجسد وتجاهل متطلبات النفس والروح. وبهذا يتحول شهر رمضان إلى مناسبة لإعادة تأهيل كوادر التغيير في عالم ما فتيء حكامه يسعون لإبقائه محكوما بقوانينهم الخاصة غير المرتبطة بمصدر التشريع والخلق. بينما يؤكد القرآن الكريم على صلاحيات الخالق المطلقة: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾. وفي عالم محكوم بالظلم والاستبداد والاحتلال والاستغلال، يوفر شهر رمضان المبارك تدريبا سنويا يهدف لإعادة بلورة ذهن الإنسان يما يجعله قادرا على المساهمة بقيادة البشرية نحو عالم إيماني يستمد شرعته من الله، ويضع الإنسان في مركز الصدارة كخليفة يمتلك حرية كاملة لتبليغ رسالة الله إلى الخلق، وهو تبليغ يهدف لتحرير البشر من قيود المادة والطغيان والشيطان، ليتحرك في حياته تحت الرقابة الإلهية التي وفرت له القرآن الكريم كمصدر أساس للتوجيه الروحي والمعنوي والفكري. هنا يصبح الصوم تدريبا سنويا لتخريج كوادر إنسانية قادرة على قيادة العالم بعيدا عن المادة والاستهلاك، سعيدا مؤمنا لا يستطيع الماديون سبر أغواره.

  • كاتب بحريني

Facebook Comments

You may also like

نحو حياة إنسانية راشدة