تهميش الجمعة انقلاب على الثوابت

تهميش الجمعة انقلاب على الثوابت

- ‎فيمقالات ساخنة
51
0

 د. سعيد الشهابيsaeed alshihabi 1

ارتبطت هوية المسلمين بعدد من  الممارسات الحياتية ذات البعد الديني، ومن بينها موقع يوم الجمعة في حياتهم. فهو يوم عبادي نص القرآن الكريم على محورية الصلاة التي تؤدى فيه بأمر إلهي خاص: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم أن كنتم تعلمون”. وهو اليوم الوحيد الذي ذكر في كتاب الله، في ما عدا إشارة ليوم السبت الذي أشير اليه مصطلحا مشتقا من فعل (يسبتون) وليس إسما ليوم. وقد حظيت صلاة الجمعة عبر التاريخ باهتمام المسلمين عامة على اختلاف مدارسهم الفقهية، ووضعت شروط لإمامتها، واعتبرت منبرا دينيا وسياسيا، تطرح منه قضايا الأمة. ولدى بعض المدارس الإسلامية نظام يقسم الخطبة إلى شقين: ديني يركز على الجوانب الروحية والأخلاق، وحياتي يتطرق لهموم الأمة والمجتمع المتصلة بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وحيث أن الدعوة لإقامة صلاة الجمعة قد انطلقت بأمر إلهي للمؤمنين، فقد حظيت باهتمام خاص، حيث يجري الاستعداد لها قبل وقت من لحظة أقامتها. فيقوم البعض بغسل خاص يسمى “غسل الجمعة” ويرتدي ثيابا نظيفة، ويتطيّب البعض الآخر، كل ذلك تقديرا للنداء الإلهي. ويفترض أن تكون تلك الصلاة فرصة لمحاسبة النفس والانسلاخ من الخطايا والذنوب، فتصبح الصلاة غسلا داخليا ينقّي الروح ويصعد بالنفس إلى عالم الملكوت. وتأكيدا لأهمية ذلك اليوم أنزل الله سورة خاصة به، يتلوها بعض أئمة الصلاة جهرا، برغم أن صلاة الظهر والعصر تؤديان إخفاتا.  

ولدى الأديان السماوية الأخرى أيامها التي ارتبطت بالعبادة. فالسبت هو يوم اليهود، يرتادون فيه المعابد، ويمارسون طقوسهم الخاصة، إذ تحرّم فيه أعمال خاصة تصل إلى تسعة وثلاثين نوعاً، ومنها تناول النقود. ولا يجرؤ سياسي او رجل دين المساس بقداسة يوم السبت لدى اليهود، ولو حدث ذلك لانقلبت الدنيا على من يحاول ذلك. أما المسيحيون فقد ارتبطوا بيوم الأحد، حيث تدق نواقيس الكنائس ويؤدي المصلون عبادتهم وفقا لما اعتادوه من عادات. وبرغم تراجع الالتزام الديني لدى المسيحيين وغلق الكثير من الكنائس إلا أن العادات الدينية الموروثة ما تزال مقدسة لدى الملتزمين منهم، وما يزال يوم الأحد يحمل بعدا دينيا. صحيح أن تراجع الالتزام لدى المسيحيين قد أدى في العقود الاخيرة لتضاؤل أهمية يوم الأحد كيوم ذي بعد ديني، ولكنه لا يزال محور العبادة المسيحية. ولكن تحت ضغوط ظاهرة التارجع الديني لم يعد الأحد يوم غلق كامل للحياة التجارية، بل تم تغيير القوانين لكي تسمح بالعمل والمتاجرة في هذا اليوم. ولكنه ما يزال العطلة الرسمية لدى دول العالم المسيحي الذي فرض ثقافته على العالم الذي يلتزم بيوم الأحد إجازة رسمية.  

هذه الأهمية يفترض أن توفر حماية خاصة ليوم الجمعة الذي اعتادت الأجيال المتلاحقة في العالم الإسلامي على اعتباره النهاية الحقيقية للأسبوع الذي تكتظ أيامه الأخرى بالعمل والمشاغل الدنيوية. وقد انتظمت حياة المسلمين وفق هذا النمط، حيث تُعطّل الأعمال في ما عدا الضروري منها، ويتبارك المسلمون باليوم فيتبادلون التحية: جمعة مباركة. لذلك ارتبط ذلك اليوم في الوجدان الشعبي بالدين والقداسة والعبادة والقرآن والصلاة والأخوّة الإيمانية، وأصبحت واحدا من أهم مصاديق وحدة أمة المسلمين المؤسسة على القيم المذكورة. وعلى مسار التاريخ لم يقدم أحد على تغيير موقع ذلك اليوم في الحياة العامة، ومع تطور الحياة المدنية الحديثة أضيف يوم الخميس رديفا للجمعة ، واعتادت أجيال متعاقبة على إجازة اليومين، ولكن موقع الجمعة بقي ثابتا. وقبل أقل من عشرين عاما أجري تغيير على الإجازة الاسبوعية فاستبدل الخميس بالسبت، ولكن بقي يوم الجمعة ثابتا، ولم يعتقد أحد أن بالإمكان المساس به. من هنا جاء قرار حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة التي احتفت الشهر الماضي بيومها الوطني في الذكرى الخمسين لتأسيسها بعد الانسحاب البريطاني من المنطقة في العام 1971، بتغيير الإجازة الاسبوعية لتصبح يومي السبت والأحد بدلا من الجمعة ليدق نواقيس القلق والخطر لدى الكثيرين. فهي المرة الأولى منذ قرون التي يتم التعرض فيها لليوم المقدس لدى المسلمين بهذا التغيير غير المسبوق.  ولا يستبعد رفض بعض مشيخات الإمارات رفض التخلي عن إجازة يوم الجمعة، وقد يؤدي ذلك لمشادات داخل الاتحاد.

وليس بعيدا عن الحقيقة القول بان إقدام الامارات على قرار تغيير إجازة نهاية الاسبوع من يوم الجمعة إلى يوم الأحد، ينسجم مع سياساتها الجديدة والدور الذي تمارسه على صعيد المنطقة. بدأ ذلك الدور بشكل علني بالتطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي الذي لم يقتصر على الاعتراف بالكيان او إقامة العلاقات الدبلوماسية معه فحسب، بل تعدى ذلك ليصبح سياسة تطبيع كاملة تشمل إلغاء المقاطعة الاقتصادية والسياسية بشكل كامل واحتضان “إسرائيل” كشريكة اقتصادية وثقافية وعسكرية وأمنية. وفي الأسبوع الماضي تم تداول نصب شمعدان يهودي عملاق في دبي لتأكيد ذلك المنحى في الوقت الذي يستمر فيه تهويد مدينة القدس بشكل ممنهج، وما استهداف حي الشيخ جرّاح بهذه المدينة إلا أحد فصول تغيير هويتها. وجاءت هذه السياسة الإماراتية على خلفية تصدي الحكومات للحركات الإسلامية والجنوح بعيدا عن الدين وقيمه. وفي ظل اكتظاظ السجون بعلماء الدين والدعاة والمفكرين، بدأت مشاريع استهداف الالتزام الديني والسياسي خصوصا في ضوء تجربة ثورات الربيع العربي. وما يغيب عن أذهان الكثيرين أن الاستهداف يطال ثلاث فئات: الاولى الحركات الاسلامية التي تحمل مشاريع سياسية بديلة للمنظومة الغربية بكافة الأساليب، الاتجاهات التحررية الراغبة في التغيير السياسي. الثانية ظاهرة التحرر ودعوات الإصلاح التي تتعرض للقمع بكافة اتجاهاتها. أما الطرف الثالث فهو الحالة الدينية نفسها، فالمشروع السياسي الجديد الذي يفرض على المنطقة يهدف لأمور ثلاثة: أولها إنهاء قضية فلسطين وطمس معالمها الدينية خصوصا الإسلامية ومنها المسجد الاقصى ومسجد الصخرة،   ثانيها: خلق جيل جديد من الشباب مسلوب الإرادة والعقل السياسي ومشغول باللهو والاستهلاك والانغماس في الجانب العبثي من عالم التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لتسطيح ثقافته وإفراغه من محتواه الديني والإنساني والتحرري، ثالثها: تهميش الدين في حياة العرب والمسلمين، وكسر قداسته كرسالة إلهية ومشروع روحي يتصدى للعبثية والظواهر الاستهلاكية، ويعمق شعور اتباعه بالمسؤولية.  

ان من المؤكد أن صلاة الجمعة تؤدي دورا محوريا في حياة  المسلمين، خصوصا بعد تهميش دور المساجد في التوعية والتوجيه واستبدالها بوسائل التواصل الاجتماعي. فما تزال تلك الفريضة موضع اهتمام واسع من قبل المسلمين، فهي تجمعهم وتجذب شبابهم، وتوفر توعية دينية واجتماعية وسياسية لهم، وتساهم عند الحاجة في تعبئتهم لمواجهة التحديات المحيطة بهم. ومن المؤكد أن إلغاء يوم الجمعة من الإجازة الأسبوعية سيؤدي تدريجيا لتقليص الاهتمام بصلاة الجمعة، كما حدث مع الصلوات الاخرى التي تفتقد المرتادين المرتبطين بالأعمال. أما المبررات التي طرحت للقرار الإماراتي فلا تصمد امام التمحيص. فالغالبية الساحة من العمال والموظفين ليسوا مرتبطين بشكل مباشر بالسوق العالمية. وفي  ما عدا موظفي البنوك وشركات الأسهم والدبلوماسيين، فان الغالبية الساحقة من العمال والموظفين ليسوا كذلك. فما علاقة طلاب المدارس والجامعات ومدرسيهم بالخارج؟ وما علاقة عمال الطرق وشركات التصنيع والانتاج النفطي والمعامل والمستشفيات والمزارع بالخارج؟ ومتى حدثت أزمات تذكر نتيجة التعطيل يوم الجمعة؟ لقد كان الوضع المعمول به منذ عقود يسمح لمن يقتضي عملهم  التواصل مع الأسواق العالمية بالعمل خارج ساعات الدوام. أليس هناك أسواق عالمية تمارس أعمالها في أوقات ما يزال عمال  الدول الأخرى نياما خلالها بسبب اختلاف التوقيت؟ ففرق التوقيت بين أبوظبي ونيويورك مثلا يبلغ تسع ساعات  و 12 ساعة بين أبوظبي ولوس أنجلز، وسبع ساعات بين أبوظبي وسيدني في أستراليا. هذا يعني عدم تزامن المعاملات التي تتم في الدول المتباعدة، مع ذلك لا يؤثر ذلك على المعاملات التجارية او المالية او السياسية بين البلدان. وعليه فليس هناك ضرر فعلي عندما يكون هناك فرق يوم واحد بين البلدان، الأمر الذي يدفع للتشكيك بحقيقة الهدف من إلغاء الإجازة الرسمية يوم الجمعة في بلد عربي مسلم يفترض أن يحافظ على عبادة واجبة اقترنت بالدين منذ اربعة عشر قرنا. ولا يمكن فهم ذلك القرار إلا انه استخفاف بالدين وشرعه وتحدّ سافر لمشاعر المسلمين. ولم يقدم حكام الإمارات على هذا الإجراء إلا بعد أن فرضوا التطبيع مع الاحتلال من جهة، واستهدفوا العلماء والمبلغين والحركات الإسلامية في أغلب البلدان، وهمّشوا دور المؤسسات الدينية خصوصا الأزهر الذي أصبحت قراراته ومواقفه مرتهنة بحكم العسكر. والأمل أن ترتفع الأصوات الداعية للحفاظ على صلاة الجمعة والإصرار على إبقاء ذلك اليوم إجازة رسمية في البلدان الإسلامية وعدم إخضاع هذا الإرث التاريخي والديني لامزجة بعض الحكام او لمخططات المتآمرين على الإسلام. إنها نهاية عام شهد من الهولة نحو أعداء الأمة ما يفوق التصور، وبداية سيئة لحقبة جديدة يهيمن عليها تحالف قوى الثورة المضادة بزعامة “إسرائيل“.

 

Facebook Comments

You may also like

نحو حياة إنسانية راشدة