فكر إسلامي

دراسة مفصلة حول التطبير الجزء الثاني

وقائع متعددة في نشأة التطبير

مقدمة مع تعريف بالتطبير..
لم أعثر في كتب اللغة على تعريف للتطبير، ولكن عثرت على تعريف الشيخ المنار{الكاتب الباحث في هجر} وهو أيضاً قال بنص عبارته: {ولكنه بهذا المعنى لم أعثر عليه في كتب اللغة، ولعله لفظ تركي أو من أصول بابلية آكدية لأن طَبَرَ في العربية بمعنى قفز واختبأ، والله أعلم}.
تعريف الشيخ المنار: التطبير لفظ عامي مأخوذ من طبر الشيء بالسكين واللفظ مستخدم في العراق وما جاوره من عرب الجزيرة الشمالية والجنوبية والخليج والأهواز فيقولون طبر الخشبة أو العظم بالطبر {الفأس أو القدوم أو الساطور في الشام} ويقصدون الضرب بالساطور وغيره من الأدوات الحادة.

توجد ثلاث روايات بشأن أول حالة تطبير، بعضها عفوية، تبعها موكب تأبيني له، والثانية: قريبة إلى هذا النحو، ولكن تختلف في بعض التفاصيل، فيما الرواية الثالثة، فهي تتحدث عن تقليد عسكري تركي، انتقل إلى المجتمع العراقي الذي يعيش استجابة دائمة الإيحاء الكارثي للمصيبة، ليقبل بالاجتهادات، حيث الباب مفتوحاً على مصراعيه لتقبل الجديد، لتأتي بعد استفحال تلك الظواهر المواقف الفقهية محشورة في أجواء شعبية ضاغطة، ومتحكمة في خطاب الفتوى وصياغتها، بل حتى أحياناً العمل فيها بناءً على الحالة النفسية التي يعيشها المجتمع المنفعل مع تلك الظواهر(1).

الرواية الأولى: للأستاذ طالب علي الشرقي:

كل ما يُعرف عن التطبير في النجف هو الشائع على ألسنة معمري البلدة، وهو أن الشيعة القفقاسيين عندما يأتون إلى زيارة الأئمة في كربلاء والنجف كانوا يستخدمون ظهور الحيوانات في سفرهم، وأسلحتهم السيوف.
وتستغرق مدة السير من ثلاثة إلى أربعة أشهر، حتى يصلوا إلى العتبات المقدسة، وكلهم لهفة لرؤية قبور الأئمة ونفوسهم مفعمة بالحب لآل البيت. فصادف أن دخلتْ إحدى قوافل الزائرين القفقاسيين إلى كربلاء يوم العاشر من المحرم، وكانت المدينة صورة صادقة للحزن، لقد سوِّدت المساجد والجوامع، وواجهات المحال، والبكاء واللطم على أتمِّه، ومقتل الحسين يقرأ في الشوارع أو في الصحن الحسيني الشريف.
واتفق أن يكون أحد القفقاسيين جاهلاً بهذه الأمور، فشرح له أحد العارفين باللغة التركية معركة الطف. وأظهر له بشكل لا يطيقه قلب محب.. الصور المؤلمة التي مرت على الحسين ومن معه. فأثر ذلك في نفسه، وأفقده صوابه، فسلَّ سفه وضرب رأسه ضربة منكرة مات على أثرها. وتحولت مواكب العزاء إلى تشيع ذلك الرجل الزائر.
استحسن أحد رؤساء مواكب العزاء {وكان تركياً} هذه العملية فنظم في السنة التي تلك الحادثة عزاءً مكوناً من مجمعة صغيرة من الأفراد، يلبسون الأكفان، ويحملون السيوف. ذهب بهم إلى المكان المعروف اليوم بالمخيم {خيمـﮔـه}، وجاء بحلاق فحلق شعر رؤوسهم، وجرح كل فرد منهم جرحاً بسيطاً في رأسه، وخرجوا بهذه الهيئة متجهين إلى مرقد الحسين، وهم يندبون {ياحسين} حتى وصلوا إلى الصحن الشريف، وبعد عويل وبكاء تفرقوا.

 الرواية الثانية: للأستاذ نفسه:

ثمة رواية أخرى تفيد أن الشيعة من أتراك آذربيجان وتبريز وقفقاسيةٍ قدموا العراق لزيارة العتبات المقدسة، وذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، فدخل جماعة منهم في العاشر من محرم الحرام إلى صحن الحسين{ع} واجتمعوا قرب الباب المعروف اليوم بالزينبية ومعهم القامات، وهو سلاحهم التقليدي الذي يلازمهم خلال سفرهم. ثم أقاموا مجلساً للتعزية في المكان المذكور. وأخذ مقرؤهم يشرح لهم واقعة الطف باللغة التركية بشكل أهاج مشاعرهم، فأخرجوا قاماتهم وأخذوا يضربون رؤوسهم دون أن يحلقوها، وبشكلٍ عنيف حول صخرةٍ بارزةٍ في المكان المذكور. وقد توفي اثناعشر شخصاً من هؤلاء الأتراك بعد عملية التطبير المذكورة مباشرةً، حيث لم تسعفهم الجهات الصحة في حينه؛ لأنها لم تتوقع إقدامهم على مثل هذا العمل، ولم تتهيأ له.
إلا أن الأستاذ الشرقي يشكل على الرواية الثانية في أنه كيف يُقتل اثناعشر شخصاً ولا تؤرخ الحادثة {ثم إن موت اثني عشر شخصاً في يومٍ واحدٍ وبسبب واحدٍ يندر أن يهمله التاريخ، فلا يدون الحادث أو يصف المشاعر على الأقل}..
قلنا إن بعض رؤساء المواكب استحسن العملية فأخرج موكباً صغيراً للتطبير، واقتفى أثره جماعة من الأتراك الموجدين في النجف فشكلوا عزاءاً في النجف قبل ما يقرب من مائة وخمسين سنة حسب ما رواه بعض معمري البلدة، وكان العزاء الأول والوحيد، وكان مقتصراً على الأتراك أنفسهم، فلم يسمحوا لأي شخصٍ غير ترك بالاندماج معهم، وكذلك لم يسمحوا لشبابهم بالاشتراك في العزاء- في الغالب- وكانوا يخرجون {2} ليلة العاشر من المحرم وهم يلبسون الملابس القفقاسية وهي{كلاو} من الفرو على الرأس، وعلى الصدر{دميري} يصل إلى حد الركبة، ويكون أسود اللون، وبنطلون يسمى {كمرجين}، والحزام خيط {خرَّاطة}، وفي الأرجل {بوتين}، ويعلق في الحزام مسدس يقال له {ﭙشتو} وكذلك القامة أو الفليـﭻ أو الـﭽنتيانه أو اليطغان أو السيف، وهذه كلها آلات جارحة تختلف فيما بينها بالشكل والحجم{3}، ويحمل بعضهم الشموع للإنارة.
إن هذه الصورة، وقبل إخراج الدم من الرؤوس يسمونها {مشق} أي تدريب، وفي أثناء المشق يرددون بعض العبارات باللغة التركية، وهي:
{بـﮕن كربوبلا ويران البدي}، وتعني اليوم كربلاء أصبحت مبعثرة.
{حسين ازكانونا غلتان البدي}، وتعني: الحسين مضرجاً بدم.
{نجه ﮔـان آغلا ماسوق داش بـﮕن}، وتعني: كيف لا يبكي الحجر دماً هذا اليوم.
{كسلب يتمشى ايكي باش بـﮕن}، وتعني: في هذا اليوم ذُبح 72 رأس.
وفي صبيحة اليوم العاشر، وقبل بزوغ قرص الشمس يذهبون إلى بيت بحر العلوم، وعليهم الأكفان ويجرحون رؤوسهم جروحاً بسيطة، ويأتون على صورة موكبٍ منظمٍ إلى الصحن الشريف، ويعتبر كل من القهواتي ﮔُـل محمد التركي، ومشت باقر الروزخانجي وشخصٌ ثالث كان طباخاً من الأعضاء البارزين أو المؤسسين لعزاء الترك.
واستمر هذا العزاء الوحيد مدة طويلة، ولكنه لم يبقَ وحيداً، بل انبرى جماعة من النجفيين لتنظيم مواكب مشابهةً فشكَّل خليل الأعمى الإيراني الأصل موكباً، وشكل ميري بن أبو الدلال الإيراني موكباً آخر، ونظَّم خشة من آل السيد سلمان عزاءً، وانشق السيد عباس على الأتراك، وشكَّل عزاءً مستقلاً عُرف باسمه، وكان علي أكبر التركي من الأشخاص البارزين في عزاء التطبير، يذكره كل من يتحدث عن التطبير في النجف لتحديه أوامر الأتراك، واقتحام{القُلَّق} سرا الحومة، وإخراج السجناء وإشراكهم في التطبير، حتى صار في كل سنة يطلق سراح بعض المحكومين بمددٍ قصيرةٍ تكريماً للعزاء.

الرواية الثالثة: وهي رواية الشيخ المنار {كاتب بحث: ظواهر اجتماعية شيعية يساء فهمها}:

بعد أن انتشرت دعوة الحاج بكتاش {تركي تبريزي المولد درس في خراسان وأصبح داعية إصلاح في عموم بلاد الأتراك}.
وصل انتشار دعوته أن التزم بمبادئها السلطان العثماني السلطان الغازي مراد خان الأول الأشعري ابن السلطان أورخان الغازي وأسس الجيش الإنكشاري في سنة 736 هجرية وفق تعليمات السيد محمد الرضوي التبريزي المعروف بالحاج بكتاش. وأسماهم الجيش الجديد {يكي جري} الذي صُحِّف فيما بعد بـ{إنكشاري}، وكان وفق تعليمات الحاج بكتاش تأسيس{تكية-صالة} في كل ثكنة عسكرية للتوجيه المعنوي والديني.
وبقيت هذه التكيات مرتبطة بالجيش الإنكشاري مدة ثم انفصلت عنها، وتحولت إلى صالات مستقلة للتوجيه الديني {الصوفي في الغالب سني وشيعي} في طول وعرض البلاد العثمانية.
غير أنها من جهة ثانية لم تنفصل عن الجيش العثماني حتى بعد انحراف الإنكشارية والقضاء عليهم فقد بقيت التكايا البكتاشية في كثير من ثكنات الجيش خصوصا الجحافل الشرقية والتي قاتلت مئات السنين للجيوش الروسية في القفقاس.
ويبدو أن هذه الثكنات حسب رواية الأتراك عانت في القرن الثالث عشر الهجري من مشكلة عويصة بعد انتشار الأسلحة النارية وهي أن التدريبات بالسلاح الناري الحي تستدعي وفاة بعض الأفراد وهذا مسموح به في الجيوش حسب العرف العسكري الحديث المعمول به لحد الآن.
وقد أشكل هذا الأمر على المتدينين في التكايا العسكرية في الجهات الشرقية والتي تحوي على الجنود الشيعة والسنة، وجرت بينهم مداولات أدت إلى ما يلي:
بما أن التدريب العسكري للقتال الحقيقي يستدعي رؤية أشد ما يرعب الإنسان وهو الدم والموت حتى يكون المقاتل جاهزاً وغير مبالٍ بما يراه حين المعركة لشد عزيمته فإن الجهات الدينية في التكايا اقترحت أن يقوم بعض الجنود بنوع من حجامة الرأس المكشوفة {الفصد} لأنها غير محرمة، وقد فعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدة مرات، وفيها أحاديث عن الاستطباب بها. ويكون ذلك بمناسبات دينية فاختاروا أن يكون يوم قتل الحسين عليه السلام، وهو يوم عاشوراء.
وقد نجح هذا الأمر فعلا في تقوية قلوب الجنود وإزالة بعض عوائق الإقدام في الحرب وهي العوائق النفسية. وهكذا بدأ الانتشار تدريجيا من تكية إلى تكية حتى وصل إلى تكيات خارج حدود الجيش العثماني، وهي التكيات الدينية الشعبية المنفصلة عن الجيش الإنكشاري من مدة طويلة. وقد كان الأمر محصوراً في تكيات القفقاس وأذربايجان وتبريز وفي نهاية القرن الثالث عشر وصل إلى تكية البكتاشية في كربلاء، وبعده بقليل في النجف الأشرف في العراق، أي بحدود سنة 1890 ميلادي أو أكثر قليلا. ولكنه كان في تكيات البكتاشية في مصر قبل ذلك ببضع عشرات السنين، وكان التطبير موجودا في مصر قبل سنة 1870م ويتم في باحات مسجد رأس الحسين عليه السلام. ويبدو أنه كان موجودا إلى ما بعد سنة 1900م بشهادة بعض المعمرين في مصر لأحد العلماء في النصف الأول من القرن العشرين وقد اخبرني بذلك شخصيا.
وما يظهر هو الاتفاق في تأريخ ظهور هذه الظاهرة في الروايات الثلاث، إلا أنني لم أجد أحداً يتحدث عنها من خلال مرجعيات تاريخية، وإنما بعبارة {معمري البلدة}، أو {بعض المعمرين في مصر}.

—————————————

هامش
{1} كتاب الشعائر الحسينية بين الوعي والخرافة.. للأستاذ: طالب علي الشرقي 84-85.
{2) بدأت تكية الترك في خيمة كبيرة نصبت في محلة الحويش، ولما تم بناء جامع الشيخ الأنصاري الذي يسمى الآن جامع الترك انتقلت إليه التكية ومنه يخرج عزاء الترك.
{3} الـﭽنتيانه: آلة طويلة ومستقيمة وحادة من وجه واحد. واليطغان: يشبه الـﭽنتيانه، ولكنه أقصر ومعقوف الرأس قليلاً، وحاد من وجه واحدٍ أيضاً. والفليـﭻ: رفيع طويلٌ ومستقيم وحادٌّ من وجه واحدٍ أيضاً، أما القامة: فهي معتدلة الطول غالباً، ومستقيمة وحادة من الوجهين.

ترقبوا الجزء الثالث

عباس الموسى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى